الحديث الثاني:


الكتاب : شرح الأربعين النووية
المؤلف : عطية بن محمد سالم (المتوفى : 1420هـ)
شرح الأربعين النووية - الحديث الأول [1]


مقدمة عن مؤلف الأربعين النووية وسبب تأليفها
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله: عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) متفق على صحته، رواه البخاري و مسلم ] .
فهذا أول حديث في مجموع النووي رحمه الله، المسمى بالأربعين النووية، و النووي رحمه الله يتفق علماء الرجال ويتفق المحدثون والفقهاء من بعده: على أنه إمام جليل، زاهد ورع، فقيه محدث، وهو محل اتفاق على جلالته وفضله في العلم، وله مصنفات عديدة وكلها نفع الله بها طلبة العلم، سواءً في الفقه كالمجموع شرح المهذب، ولا أعتقد أنه توجد موسوعة فقهية تضاهي هذا الكتاب، اللهم إلا إن كان المغني لـ ابن قدامة عند الحنابلة.
وله أيضاً كتاب روضة الطالبين في الفقه الشافعي، وله شرح مسلم، وله رياض الصالحين من أحاديث خاتم النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وكلها بحق مراجع في بابها.
وهذا الكتاب الذي اشتهر عند الناس بالأربعين النووية، نسبة إلى مؤلفه الإمام النووي ، الذي ينسب إلى نَوى، وهي منطقة تتبع الجولان من أعمال دمشق، ونشأ بها، ثم تعلم في دمشق أي في الجامع الأموي، ورحل إلى عدة أقطار وتعلم، ونفع الله سبحانه وتعالى به وبمؤلفاته.


سبب تسمية الأربعين النووية
وأصل كتابه هذا الأربعين النووية، يقول بعض العلماء: إن كثيراً من العلماء قد ألفوا في الأربعينيات، فمنهم من يجمع أربعين حديثاً في موضوع واحد، كفضائل العلم، ومنهم من يجمع في فضائل البلدان، أو في المسلسلات أو في غير ذلك.
وأما سبب التحديد بهذا العدد فقد ورد حديث ضعفه البعض، ولكنهم عملوا به في فضائل الأعمال: ( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً على أمتي من أمور الدين أدخله الله الجنة، أو جعله الله من المتقين )، ورتب صلى الله عليه وسلم جزاءً على من جمع أربعين حديثاً من أمور الدين.
قالوا: وإن كان ضعيفاً إلا أن كثيراً من العلماء جمعوا أربعينات في مواضيع مختلفة، وأصل الأربعين النووية كما ذكر ابن رجب في مقدمة شرحه: أن ابن الصلاح وهو من أجل علماء الحديث في الشام، جلس في يومٍ مجلساً ليملي أحاديث من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، فأملى ستةً وعشرين حديثاً في مجلسه ذاك، فجاء النووي رحمه الله وأخذ هذه الستة والعشرين وأضاف إليها ما أكمل الأربعين، وبالتحديد اثنين وأربعين حديثاً، انتخب فيها الأحاديث الجامعة التي تعد كأصل أصيل في الإسلام.
وبعضها يقول عنه بعض العلماء: ربع التشريع، أو ربع الدين، أو ثلث الدين، هناك أحاديث عامة كما جاء عن أحمد رحمه الله: أن ثلاثة أحاديث تدور عليها الشريعة كلها: حديث عمر بن الخطاب : (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث: ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد )، وحديث: ( إن الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات، فمن ترك المتشابهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ).
ويقول أحمد لأن الأعمال كلها لا تقبل إلا بنياتها، والأعمال الفرعية لابد أن تكون مطابقة لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الحديث الثاني، والثالث: أن الأعمال منها ما هو بين حلال، ومنها ما هو بين حرام وبينهما المشتبهات، وجميع أحكام الفقه هكذا: إما حلال بين وإما حرام بين، وإما مشتبه بينهما، ليس هناك قسم رابع، (فمن ترك الشبهات استبرأ لدينه وعرضه) فيقول أحمد رحمه الله: لم يخرج حكم تشريعي عن هذه الأحاديث الثلاثة.
ويروون عن أبي داود رحمه الله أنه يقول: جمعت أربعمائة ألف حديث، ووجدتها تدور على أربعة أحاديث، وذكرها ابن رجب في مقدمته، إلى غير ذلك من الأحاديث التي تعتبر قواعد عامة، وأخذوا ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: ( أوتيت جوامع الكلم ) ، فهو صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم والحكم؛ لأنه يجمع المعنى الكبير جداً في كلمتين، كما في هذا الحديث: ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد )، فلو جئت بجميع أعمال المكلفين في الطهارة أو الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحج .
إلخ، فقسه على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إن كان موافقاً لما جاء فيها فبها ونعمت، وإلا فهو مردود، ويشهد له قوله سبحانه، { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر:7].
و الشافعي رحمه الله كان له بحث أو له جمع آية وحديث، يقول: إن جميع الأحاديث النبوية لها أصل يشير إليه في كتاب الله، ولكن ما كل إنسان يجد هذا.
يهمنا أن العلماء جمعوا أربعينات في مسائل مختلفة، وكان ممن جمع فيها النووي رحمه الله، وكان جمعه في جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، وقد جمعت هذه الأربعين دون أن يلاحظ فيها التناسق بين الأحاديث، والمهم أنها موجودة في هذا المجموع لو استوعبها إنسان لكأنما استوعب جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم,


ما استدركه بعض العلماء على الإمام النووي
ويورد عليه بعض العلماء مما ترك من الأحاديث التي تعتبر الأم في بابها قالوا: ترك حديثاً في الفرائض هو أصل للفرائض ( ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى ذكر وارث ).
وقد اتفق علماء الفرائض أن هذا الحديث أصل في باب الميراث، والاتفاق على أن الإرث يكون بالفرض والتعصيب، إذاً: ألحقوا الفرائض على ما جاء في كتاب الله، فإن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، وبين ميراث الزوجين عند وجود الولد وعدمه، وبين حق الذكر مع الأنثى في الأولاد والأخوة والأخوات، وبين حق الأم والأب إذا كان هناك أولاد أو ليس هناك أولاد، وبين ميراث الجميع، وما بقي فلذوي العصبات، (لأولى رجل ذكر).
فيقولون: إنه لم يذكره وكان من حقه أن يذكره مع هذه الأحاديث، ولذا جاء ابن رجب رحمه الله وأخذ الأربعين أو الاثنين والأربعين وأضاف إليها ثمانية حتى كملت الخمسين حديثاً وأدخل فيها هذا الحديث، وما شاكله مثل: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) وهذا أيضاً أصل في بابه، فلم يفصل في ذكر المحرمات وأحال ذلك إلى ما ذكر من المحرمات من النساء في القرآن.
ومهما يكن من شيء فلا يمكن لأي إنسان أن يدعي لنفسه الكمال، و النووي بنفسه في هذا المجموع ما قال: جمعت كل شيء، إنما جمع ما وقع عليه اختياره في هذا الباب.
وهذا الحديث الذي بدأ به هذا المجموع المبارك يتفق العلماء على أنه أصل من أصول الدين، وعلى أنه ثلث أو ربع أو خمس الدين، ويتفق العلماء أيضاً على أن هذا الحديث يدخل في كل باب من أبواب الفقه، ولذا جاء عن بعض السلف أنه قال: لقد بدأ البخاري كتابه بهذا الحديث تنبيهاً على وجوب إخلاص النية في العمل لله، ولو ألفت كتاباً لجعلت مقدمة كل باب: ( إنما الأعمال بالنيات ) نأتي إلى هذا الحديث وإلى منطوقه ومضمونه وما يتناوله بقدر المستطاع إن شاء الله.
يروي النووي رحمه الله هذا الحديث عن عمر مباشرة، وقد أشار في مقدمته أنه التزم أمرين: - حذف السند ليسهل الحفظ.
- وصحة الحديث لنطمئن إليه، فلا يوجد في الأربعين النووية حديث ضعيف.


تلقيب عمر بن الخطاب بأبي حفص والفاروق
وفي بداية الحديث عن هذا الإيراد لعلنا نتساءل عن هذه الألقاب والكنى والأسماء، أمير المؤمنين أبو حفص الفاروق عمر يبين علماء اللغة: أن العلم اسم يعين المسمى مطلقاً كما قال ابن مالك في الألفية، ثم بين أنه يأتي كنية وعلماً واسماً ولقباً، والعلم هو ما يعين مسماه بدون قرينة، وسمي الاسم اسماً لأنه وسم أي: علامة على صاحبه، وأصل الوسم العلامة للإبل ونحوها، وهو مأخوذ أيضاً من السمو وهو العلو، ومنه السماء، سما يسمو سمواً، لكأن الاسم سمة علت على صاحبها فميزته عن غيره.
والكنية ما صدرت بأب أو بأم كأبي حفص وأبو بكر، واللقب ما أشعر بمدح كالفاروق وذي النورين أو بذم.
السؤال هنا: ما هو سبب هذه الألقاب التي لقب بها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؟ أما أمير المؤمنين فيقولون: إنه في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه كانوا يقولون لـ أبي بكر خليفة رسول الله، فلما جاء عمر كانوا يقولون: خليفة خليفة رسول الله، وطال الأمر فقالوا: جاء وافد من العراق يسأل أين أميركم؟ قالوا: من أميرنا؟ قال: عمر ، قالوا: جئت بها، فسموه أمير المؤمنين، وقالوا: إنه هو الذي قال: أنتم المؤمنين وأنا أميركم فأنا أمير المؤمنين، يهمنا أنه لقب جاءه بعد توليه الخلافة.
أبو حفص الحفص: الأسد قالوا: كني أبو حفص عمر بذلك لشجاعته وقوته وخفته، ويذكرون عنه رضي الله تعالى عنه أنه كان يمسك أذن الفرس بيد ويثب على ظهر الفرس، دون أن يعتمد على شيء، وذلك لنشاطه وخفته، وهذا القصد والوثب من سمات الأسد والنمر، فلقب أبو حفص لهذه الصفة كما يقولون.
أما الفاروق فقد لقبه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لقب خالداً بسيف الله، ويذكرون ذلك في قصة إسلامه وأنه كان أشد الناس على المسلمين إيذاء، وفي يوم أخذ سيفاً، ومضى يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يقتله، فلقيه رجل وقال: أين يا عمر ؟ قال: أريد قتل محمد.
قال: هل ترى بني هاشم تاركيك؟ فقال له عمر : صبأت، قال: أدلك على أعجب من ذلك، أختك وزوجها أسلما.
فبدل أن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بيت أخته، وكان عندها وعند زوجها خباب بن الأرت يقرئهما القرآن ويخفيان إسلامهما، فلما جاء عمر وسمع خباب صوته اختفى داخل البيت، ودخل عمر إلى البيت فقال لأخته وزوجها: ما هذه الهمهمة التي سمعتها، قال له زوج أخته: ما هو إلا حديث بيننا -وكانا يقرءان سورة طه-، فعدا على زوج أخته، فقامت أخته تدافع عن زوجها فلطمها فأدماها، فلما رأى الدم من أخته أسف على ذلك.
ثم قالت له أخته: رغم أنفك يا عمر أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقال: أريني الصحيفة التي كنتما تقرآنها، قالت: لا.
إنك رجس وهذا كتاب الله، اذهب فاغتسل، فذهب ثم جاء وأخذ الصحيفة وقرأ ما فيها ثم قال: أين محمد الآن؟ فلما سمع خباب قول عمر نادى وخرج وقال: أبشر يا عمر ! لعل دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الخميس أصابتك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( اللهم أعز الإسلام بـ عمر بن الخطاب أو بـ عمرو بن هشام ) قال: أين محمد الآن؟ قال: في الدار التي بأعلى الصفا.
فذهب عمر رضي الله تعالى عنه فوجد حمزة على الباب رضي الله تعالى عنه ومعه رجال، فلما رآه حمزة قال: لقد جاء عمر إن كان أراد الله له خيراً فالحمد لله، وإلا فقتله يسير علينا، فلما طرق الباب وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته خرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمسك بتلابيبه وبحمالة سيفه وقال: أما آن لك أن تسلم يا عمر !! قبل أن يخزيك الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
ثم جلسوا في الدار فقال عمر : يا رسول الله! ألسنا على الحق أحياءً وأمواتا؟ قال: والذي نفسي بيده إننا على الحق أحياءً وأمواتاً، قال: فلماذا نجلس هنا أفلا نعلنها، وخرج عمر وخرج رسول الله في صفين على أحدهما عمر وعلى الآخر حمزة وذهبا إلى البيت وطافا بالبيت، فساءت وجوه قريش، وقالوا: الآن انتصف المسلمون منا.
فحينئذٍ سماه الرسول الله صلى الله عليه وسلم الفاروق ، كأنه فرق في ذلك اليوم بين الخفاء بالدعوة وبين ظهورها، أو بين المسلمين والمشركين، حيث تميزت جماعة المسلمين حينما دخل عمر في الإسلام وكان ابن مسعود يقول: (إسلام عمر فتح، وهجرته نصر، وخلافته رحمة) من هنا سمي الفاروق ، وذلك كما سمى الله سبحانه وتعالى يوم بدر يوم الفرقان؛ لأنه يوم فرق الله فيه بين قوة الشرك الطاغية وبين قوة الإسلام الداعية إلى الله.


شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات)
نأتي إلى حديث النية منطوقه ومضمونه وما يتناوله بقدر المستطاع إن شاء الله: أولاً: من حيث اللفظ ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرأة ما نوى ) هاتان جملتان متقاربتان لفظاً مختلفتان مضموناً.
كلمة (إنما) تعتبر عند علماء اللغة أداة قصر، ومعنى القصر أو الحصر هو أن تقصر المبتدأ على الخبر، ومن أساليب القصر النفي والإثبات (ما وإلا) مثل: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ } [آل عمران:144]، وكذلك تقديم ما حقه التأخير مثل: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة:5] فأصلها ( نعبدك ونستعينك ) ولكن تقديم المعمول يدل على أنه محصور على ما بعده، فالمعنى: ( إياك وحدك نعبد ) فقصر العبادة على مرجع الضمير المتقدم هنا ( إياك ) وكان أصله ضمير وصل وهو الكاف: ( نعبدك ) فلما فصل جيء بـ( إيا ) فصار ( إياك ) لأنه لا ينطق بالكاف وحده، فصارت الجملة هكذا: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة:5] أي: لا نعبد غيرك ولا نستعين بغيرك.
ومن أساليب الحصر أيضاً: تعريف كل من المبتدأ والخبر كقوله: (الكاتب زيد) فزيد معرفة والكاتب عرف بأل، والمعنى أنه لا كاتب إلا زيد، وكقول البعض: الشاعر شوقي أو الشاعر المتنبي فقصر الشعر على المتنبي كأن غيره لا يذكر معه، فتعريف الطرفين، وتقديم ما حقه التأخير، والنفي والإثبات، و(إنما) كلها أساليب قصر، وأم الباب هي (إنما) { إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ } [الرعد:7] فكلمة (إنما) هي أداة حصر وحدها.
وهنا (الأعمال) هي المحصور والمقصور على النية، فجميع الأعمال مقصورة ومحصورة ومتعلقة بالنية.


هل تدخل النية في جميع الأعمال
وهنا (الأعمال) معرف بأل فيشمل جميع الأعمال، ومن هنا قال جمهور العلماء: كل عمل لابد أن يتعلق بالنية.
بعض العلماء يقول: هذا العام مخصوص خرج منه ما لا يحتاج إلى نية، كالأمور التي ليست مقصودة للتعبد، كالأمور الجبلية، كالأكل والشرب والنوم واللبس، فهذه أمور جبلية لا تحتاج إلى نية، وتحصل بدون النية، فإذا أكلت شبعت ولو ما نويت الشبع، وإذا لبست سترت وإن لم ترد الستر.
ويقول الآخرون: الحديث على عمومه ولا يخرج منه شيء، حتى الأمور الجبلية داخلة في هذا الحديث؛ لأنك إذا أكلت لتشبع شكراً لله على النعمة، أو لتتقوى على طاعة الله، فإن نيتك في الأمور العادية تحولها إلى عبادة، فإذا لبست تنوي الستر كان لك أجر، وإذا لبست تنوي الفخر والخيلاء كان عليك وزر، إذاً: ما خرج من هذا الحديث شيء.
ويقول آخرون: إذا كانت عندك أمانة أو وديعة أو عليك دين، فعندما ترد الوديعة لمودعها، وتؤدي الأمانة لصاحبها، وتقضي الدين، فهذه الأمور لا تحتاج إلى نية، والآخرون يقولون: بل النية تدخل هنا أيضاً، فإن كنت تريد أن تأكل الأمانة، أو أن تجحد الوديعة، أو ألا ترد الدين، وجاء الحاكم وأخذها منك قهراً ليوصل الحق لصاحبه، فأنت أثمت بنية الخيانة أو الغدر، وإذا دفعتها إليه عملاً بقوله سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } [النساء:58] كان لك أجر بنية الوفاء امتثالاً لأمر الله.
وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تستدين، فقالوا لها: لماذا تستدينين وقد تكونين في غنى عن الاستدانة؟ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من استدان وهو ينوي السداد كان الله في عونه حتى يسدد دينه ).
إذاً: النية لها دخل حتى في العادات، فإذا كان الإنسان يريد عملاً ما من أمور الدنيا أو أمور الآخرة فله من الجزاء بحسب نيته، مثل إنسان بنى بيتاً يستتر فيه ويأوي إليه عياله، ويتركه لعياله من بعده فله أجر على هذا العمل، ألا ترون الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: ( حتى اللقمة يضعها في فيَّ امرأته فله بها أجر ) ، وقال: ( أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: أرأيت لو وضعتها في حرام أليس عليك وزر ).
إذاً: قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال) عامة لا يخرج من ذلك عمل قط,


كلام العلماء على نية القصد
والنية في الأعمال على قسمين: - نية بالقصد.
- ونية للتعيين والتمييز.
النية التي للقصد، تكون في الأعمال الأخروية التي قد يدخلها الرياء والسمعة، وقد يدخلها مصلحة أخرى، فهذه الأعمال أجرها متعلق بالنية الخالصة لوجه الله.
أما المميزة فتأتي في الصلاة والصيام، وهي التي يهتم بها علماء الفقه.
وقد جاء في نية القصد أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله الرجل يقاتل حمية، الرجل يقاتل ليرى مكانه، الرجل يقاتل للمغنم، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله )، فالنية نية القصد أي: ماذا قصد بقتاله؟ ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وسمع أن ثقيفاً اجتمعت له وأراد أن يخرج إليهم، فأراد أن يخرج مسلمة الفتح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتاجوا إلى دروع وإلى سيوف وإلى عتاد، فأرسل إلى صفوان وكان على دين قومه -لم يسلم بعد- يطلب منه أن يعيره أدرعاً، قال: غصباً أم عارية؟ قال: بل عارية مؤداه أو قال: مضمونة، وجاء صفوان بنفسه وهو على دين قومه، وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين، وحينما فوجئ المسلمون بهوازن ترشقهم بالنبال كالجراد رجع من رجع من المسلمين، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض المعركة وقال قائل: هؤلاء أصحاب محمد لا يردهم إلا البحر، فقال صفوان : والله لأن يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجل من هوازن، وإنما قال ذلك حمية لقريش لا غير.
وهكذا الأعمال التي يقصد بها وجه الله فالنية فيها بمعنى القصد { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف:110]، ولهذا جاء في الحديث أنه سبحانه وتعالى يقول: ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً وأشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) ويؤتى يوم القيامة وينادى من عمل عملاً يرائي به غير الله فليطلب جزاءه ممن كان يرائي، والأحاديث في هذا كثيرة.


طروء الرياء وإحباط أجر العمل
ويبحث العلماء في مسألة: إذا دخل الرياء عملاً أصله لوجه الله ولكن طرأ عليه مقصد جانبي، فهل يبطل هذا العمل لقوله: (تركته وشركه)، أو أنه يبطل منه بالقدر الذي دخل فيه الرياء؟ نعلم جميعاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم حذر من الرياء وقال عنه إنه الشرك الخفي، والرياء: أن ترائي بعملك فتعمل بقصد أن يذكرك الناس، أو يمدحوك، ولذا قيل في الذي يجاهد حمية: ( يأتي يوم القيامة فيذكره الله تعالى بنعمه عليه فيذكرها، فيقول له: فما صنعت فيها؟ فيقول: خرجت بمالي وبنفسي وجاهدت في سبيل الله، فيقول: كذبت! خرجت ليقال فلان شجاع، وقد قيل، ويؤتى بالعالم فيعرفه الله نعمه فيعرفها، فيقول: ماذا فعلت بها؟ فيقول: تعلمت وعلمت ليعلم دينك، فيقول: كذبت! إنما تعلمت ليقال عالم وقد قيل ) ولهذا يقول الإمام مالك والإمام أحمد رحمهما الله: من تعلم العلم ليماري به العلماء أو يجاري السفهاء أو يلفت أنظار الناس إليه فالنار فالنار، ويقول ابن عبد البر : من تعلم ليماري العلماء فقد قسا قلبه، أي: ضاع عن التحصيل؛ لأنه لم يرد بتعلمه وجه الله، وهذا مما يوقف طلبة العلم على أحرج المواقف، لأن الشهرة أمرها خطير، ولأن طلب الرياء عند الناس أخطر، فليتق الله كل طالب في نفسه وفي علمه وليرجُ وجه الله فيما علم وفيما علَّم، سواء استفاد منه الناس أم لا.
وفيما يتعلق بالرياء هل هو يحبط جميع الأعمال أو العمل الذي راءى فيه، وإذا قصد بعمله وجهاً سوى وجه الله، هل يكون له في ذلك حض؛ كمن حج ليتجر، وكمن قاتل ليغنم مع إعلاء كلمة الله.
يقول العلماء: إن كان القصد الأول هو وجه الله وما جاء من غيره فإنما هو تبع، فلا شيء في ذلك، والمسلمون كانوا يخرجون ويقاتلون وكانوا يغنمون، ولا يؤثر ذلك على قصدهم في إعلاء كلمة الله.
وبعضهم يقول: إن قاتلوا وغنموا فقد فاتهم ثلثا أجر الغزاة، وإن قاتلوا ولم يغنموا فلهم أجر الغزاة كاملة.
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغزو ويقاتل ويغنم، ويأخذ من الغنيمة خمسها ويقسم على أصحابه، ولا يؤثر ذلك؛ لأن القصد الأول إنما هو إعلاء كلمة الله.
ولذا كان مالك رحمه الله يكره النفل أي: تنفيل الإمام أو القائد للغزاة في أول الأمر في ذهابهم، والنفل هو أن يقول القائد: من قتل مشركاً فله سلبه، يقول مالك : الأولى ترك هذا في الذهاب مخافة أن يذهب هذا المسلم لا لإعلاء كلمة الله ولكن لقتل المشرك ليأخذ السلب، فكرهه حتى لا تغلب المادية على نيته وعلى قصده، أما في العودة فلا مانع؛ لأنهم قد تحدد القصد عندهم وانقضى، فلا تأثير هنا على القصد.
وجاء في الحديث ( يخرج جيش يريد الكعبة فيخسف الله بهم الأرض، قالت عائشة : يا رسول الله!! يكون فيهم السوقة وغيرهم فما ذنبهم؟ قال: يخسف بهم جميعاً ويبعثون على نياتهم )، فبعضهم نيتهم هدم البيت، وبعضهم لا قصد لهم، ولا ناقة لهم فيها ولا جمل، إنما صحبوا ذلك الجيش ليبيعوا ويشتروا ويربحوا، فيبعث كل واحد منهم على نيته.
وهكذا نية القصد تأتي في الأعمال التي يراد بها وجه الله، فهذا الذي حج ويتجر إن كان خروجه للحج، وإنما يتجر ليستعين على نفقة الحج، فلا مانع من ذلك؛ لأن القصد هو الحج والاتجار إنما هو وسيلة وليس بغاية، أما إذا كانت غايته التجارة والحج جاء تبعاً فهذا بقدر جزئية النية في الحج يكون له أجر، وهكذا في جميع الأعمال.
وهذا يتكلم فيه علماء العقائد وعلماء التوجيه والتربية.


كلام العلماء على نية التعيين والتمييز
القسم الثاني من النيات: وهي نية التمييز والتعيين، يقول الفقهاء في قوله: (إنما الأعمال بالنيات): إن العمل قد يقع ولو لم توجد نية، فالصلاة استقبال وقيام وركوع وسجود إلى آخره، فلو أن إنساناً استقبل القبلة وكبر ووضع يديه وركع ورفع وسجد وسلم، فقد أتى بالصلاة وحصَّل العمل، لكن النية غير موجودة، قالوا: فإن كان في الفريضة فلا تصح فريضة إلا بالنية، وهل تنقلب هذه الصلاة نافلة وتصح أم أنها باطلة؟ خلاف بين العلماء.
ومثل آخر: سنة الفجر ركعتان، والفريضة ركعتان، فالذي يميز بين ركعتي الفريضة وركعتي النافلة هو النية، فإذا نوى بالركعتين الأوليين النافلة، ونوى بالركعتين الأخريين الفريضة فقد ميز بين الصلاتين بالنية.
ومثال آخر في باب الطهارة: إنسان في شدة الحر انغمس في بركة أو في حوض، أو دخل تحت الدش يتبرد من الحرارة، وأراد أن يصلي، فلابد له أن يتوضأ؛ لأن نيته ليست لاستباحة الدخول في الصلاة، إنما اغتسل للتبرد.
والخلاف في هذا بين أبي حنيفة رحمه الله والجمهور؛ فالجمهور يقولون: إن النية تكون في الأعمال الأساسية التي هي المقصد، أما الوسائل فلا تحتاج إلى نية، فإذا لبست ثيابك من أجل أن تستر عورتك للصلاة لم تحتج إلى تنوي عند اللبس أن تستر العورة لأجل الصلاة؛ لأن ستر العورة شرط لصحة الصلاة وليس غاية.
فالإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: الوضوء أيضاً ليس غاية بذاته وإنما هو شرط لصحة الصلاة، فإذا توضأت للتبرد لا بنية استباحة الصلاة وصليت بهذا الوضوء؛ صحت صلاتك بهذا الوضوء كما صحت صلاتك بذلك الثوب.
والجمهور يقولون: الوضوء بذاته عباده وليس هو مجرد شرط للصلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر في الحديث الصحيح: ( إذا توضأ العبد المسلم فتمضمض خرجت ذنوبه من فيه مع آخر قطر الماء، وإذا غسل وجهه خرجت ذنوب وجهه مع آخر قطر الماء، وإذا غسل يديه خرجت ذنوبه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وإذا غسل قدميه خرجت ذنوبه مع آخر قطر الماء، ويخرج من الوضوء لا ذنب له، وكانت خطواته إلى المسجد وصلاته نافلة له )؛ قال الجمهور: فالوضوء بذاته عبادة؛ لأنه يكفر الذنوب.
والرجل الذي وجد امرأة في أقصى المدينة، وجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ( يا رسول الله! أصبت امرأة في أقصى المدينة، وما تركت شيئاً يفعله الرجل مع امرأته إلا فعلته معها غير أني لم أجامعها، فطهرني يا رسول الله، فقال له صلى الله عليه وسلم: أصليت العصر معنا؟ قال: لا، قال: توضأ وصل، فلما توضأ الرجل وصلى نزلت الآية: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [هود:114] فدعا الرجل وقرأها عليه، فقال: ألي خاصة يا رسول الله!! قال: بل لأمتي كلهم )، قال العلماء: إن وضوءه مع صلاته من مكفرات الذنوب، إذاً فالوضوء عبادة بذاته.
وإذا نظرنا أيضاً إلى أعمال الوضوء وجدناها تدور بين العادة وبين العبادة، فالاغتسال من الجنابة تعميم للبدن بالماء، والاغتسال يوم الجمعة تعميم للبدن بالماء، الاغتسال من التبريد والنظافة تعميم للبدن بالماء، وكل هذه الأغسال في صورة واحدة، فما الذي يميز ما كان واجباً عما كان مسنوناً وما كان عادة؟ النية هي التي تميز ذلك، ولهذا فالجمهور على أن النية شرط في صحة الطهارة.
نأتي إلى الصلاة كما أشرنا، فإذا صلى ركعتي الفجر ثم صلى الصبح لم يفرق بين ذلك إلا النية، وإذا أراد أن يجمع الظهر والعصر، فالنية تحدد الظهر وتحدد العصر وهكذا، إذاً: النية تدخل في العبادات في وسائلها وفي غاياتها.
وهل النية شرط في صوم رمضان؟ قال بعض العلماء: لا تشترط النية في صوم رمضان، فيكفي أن ينوي الصوم، ولا حاجة إلى تعيين النية، فكونه ينوي الصوم فذلك يكفي؛ لأن الإنسان قد يمتنع عن الطعام حمية، وقد يمتنع عن الطعام لعدم رغبة فيه، وقد يمتنع عن الطعام لعدم وجود الطعام، فإن كان في رمضان فظرف الصوم يعيِّن المقصود فلا حاجة للنية عن ذلك.
وقال بعض العلماء: بل النية واجبة، وتكون من الليل.
فإذا كان في غير رمضان، فهناك صوم قضاء رمضان، وهناك صوم كفارة، وهناك صوم تطوع، وهناك صوم نافلة، كالإثنين والخميس، فإذا أراد أحدنا أن يصوم يوماً قضاء أو كفارة أو نافلة أو نذاراً، فلابد من النية لكي يميز نوعية الصيام هنا.
فمن هنا يقول بعض العلماء: (إنما الأعمال بالنيات) أي: تعيينها وصحتها بالنية، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ( من لم يبيت الصيام بالليل فلا صيام له ).
وبعضهم يقول: (إنما الأعمال بالنيات) أي: كمالها وفضيلتها.
والصحيح: أن كل عمل توقفت صحته على النية فإنه يقدر المحذوف في قوله: (إنما الأعمال) أي: إنما صحة الأعمال بنياتها، وإذا كان يؤدى بغير نية، كدين أخذ من صاحبه، بأن حكم الحاكم على مدين بدفع الدين فامتنع فباع ماله ووفّى الدائن حقه؛ صح السداد، ولا يتوقف سداد الدين على نية المدين؛ ولكن كمال أجر هذا العمل يتوقف على النية.
إذاً: النية تدخل في جميع الأعمال، فهي إما أن تصحح ما يفسد بدونها، وإما أن تكمل وتحسن ما يصح بدونها، ولهذا فالحديث عام في جميع الأعمال التي يتناولها التكليف.


شرح الأربعين النووية - الحديث الأول [2]


أقسام العمل
( إنما الأعمال بالنيات أو بالنية ) بالإفراد وبالجمع -روايتان- والأعمال تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أعمال اللسان.
القسم الثاني: أعمال البدن.
القسم الثالث: أعمال القلب.
فأعمال اللسان: النطق من ذكر، وتلاوة، وكلام، وغير ذلك.
وأعمال البدن -الجوارح-: الصلاة من قيام وركوع، والصيام والحج، والجهاد، وغيرها من الأعمال البدنية.
وعمل القلب: ما ينعقد عليه القلب من عقائد كالإخلاص والخوف والرجاء .
كما جاء عن بعض السلف، أظنه عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ( كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يخرج عليكم رجل من هذا الفج من أهل الجنة، فخرج رجل معلقاً نعليه في يده، فمضى، ومن الغد قال: يخرج عليكم رجل من هذا الفج من أهل الجنة، فخرج ذاك الرجل الذي خرج بالأمس، ثلاث مرات، قال: فتبعته فقلت: إنه قد وقع بيني وبين أبي ما يكون بين الولد ووالده، وقد أقسمت ألا آتيه ثلاثة أيام، فإن رأيت أن تؤويني هذه الأيام الثلاثة وجزاك الله خيراً، قال: تفضل، وبات عنده لكنه لم ير عنده شيئاً جديداً، فقال: لعله أن يكون اليوم تعب، وفي الليلة الثانية لم ير شيئاً، قال: لعله أن يكون مستحياً، وفي الليلة الثالثة قال له: يا عبد الله! والله لم يكن بيني وبين أبي شيء، ولكني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيك: إنك من أهل الجنة، فطمعت أن يكون عندك عمل خاص، فجئت لأرى ما تعمل، قال: والله يا عبد الله ما هو إلا ما رأيت، فذهب، ثم ناداه وقال: ما هو إلا ما رأيت؛ غير أني أبيت وليس في قلبي غل لأحد، قال: هي هذه، وهي التي لا نطيق ) ، كان يبيت كل ليلة صافي القلب، ليس في قلبه غل لأحد، مهما كان من الناس إليه من إساءة، ومهما صدر من الناس نحوه من تقصير فإنه لا يحمل غلاً على أحد.
ولهذا قال العلماء في قوله سبحانه: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } [التوبة:103] التطهير: التنقية، فإنها تطهر الغني والفقير معاً، تطهر الغني من أدران الشح والبخل، ومن أن يمسك ماله عن الفقراء، وتطهر الفقير من أن يحقد أو يحسد الغني على ما أعطاه الله؛ لأنه يأخذ حقه منه، فإذا كان الفقير يأخذ حقه من مال الغني، فلا يحقد عليه، بل يدعو له بالبركة، لكن إذا أمسك الغني ماله ولم يزكه وحرم الفقير، يتمنى أن يذهب الله مال الغني، لأنه ما أعطى حق الله فيه.


أهمية النية
فالنية من أعمال القلب، ولهذا يأتي في بحث القصد: أن النية إنما هي القصد إلى العمل، وليس هناك حاجة للتلفظ بها، فيكفي حينما تتوجه إلى القبلة أن ترفع يديك وتقول: الله أكبر! وتستحضر في قلبك ماذا ستصلي من فريضة أو نافلة، وإن كانت فريضة فتستحضر هل هي صلاة العشاء أم المغرب غيرها، وكل هذا محله القلب.
فهذا الحديث كما أشرنا يعتبر أصلاً من أصول الدين، ويدخل في كل باب، وفي كل عمل لفرد من أفراد المسلمين، سواء كان ابتغاء وجه الله أم لغرض دنيوي.
وبحسب ما يقصده العبد بعمله يكون أجره وثوابه، أو نكاله وعقابه، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: ( من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) إذاً نية القصد قد تكلمنا الكلام عنها.


دخول النية في العبادات وأثرها في صحتها وثوابها
قال الشافعي رحمه الله: هذا الحديث يدخل في سبعين باباً من أبواب الفقه، وقال غيره: لو ألف مائة كتاب لجعلت مقدمة كل باب هذا الحديث، ولو أردت تتبع ذلك لطال بك المقام.
نية التعيين التي يتكلم عنها الفقهاء، مثالها: إذا عممت بدنك بالماء فإن أردت النظافة فلك ما نويت، وإن أردت رفع حدث بأعضائك فلك ما نويت، وكذلك أيضاً إذا كان هناك أمران يقتضيان غسلاً أحدهما واجب والآخر مسنون، فإذا نويت المسنون لم يسقط الواجب، وإذا نويت الواجب سقط المسنون ودخل ضمناً، كمن أصبح يوم الجمعة جنباً فاغتسل ينوي غسل الجنابة، فإنه يدخل غسل الجمعة معه، أما إذا نوى غسل الجمعة فإنه لا ترتفع عنه الجنابة؛ لأنه لم ينوها؛ والأعمال بالنيات.
وفي باب الصلاة أشرنا إلى أن الصلاة نافلة وفريضة، فإذا أراد النافلة لم تندرج تحتها الفريضة بحال، وإذا نوى الفريضة فقد تندرج معها النافلة، فإذا جئت والإمام في الصلاة في صلاة الصبح ونويت الفريضة دخلت تحية المسجد معها، وكذلك إذا أردت سنة الفجر ونويت تحية المسجد معها، دخلت تحية المسجد مع سنة الفجر؛ لأنها أقوى في الطلب، وهكذا النية تحدد وتعين وتبين المطلوب.
وهكذا إذا جئت إلى الصيام، فقد يكون فريضة أو قضاءً أو كفارة، فحسب ما نويت يكون لك ما نويت في صيامك، وإذا جئنا إلى الحج أيضاً، فإذا أخرت طواف الإفاضة ونويت معه طواف الوداع أجزأك ذلك، بل إن الإمام مالكاً يقول عن الذي يأتي متأخراً: قد يحج حجه كله بطواف واحد بالبيت، يعني إذا ضاق عليه الوقت، فإن طاف طواف القدوم فاته الوقوف بعرفات، فيسرع ليدرك الموقف في عرفات ويترك طواف القدوم، فإذا جاء ونزل من عرفات إلى منى، وبقي هناك بعد رمي الجمار أيام التشريق، ثم نزل إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة ويسافر فإنه يطوف طواف الإفاضة فيسقط القدوم تبعاً لأنه بالنسبة إليه قدوم، وهو ركن في الحج وهو طواف الإفاضة، ويجزئه أيضاً عن طواف الوداع.
وهكذا نجد جميع الأعمال فيما يتعلق بالعبادات في تعيينها وفي تصحيحها.


أثر النية في المعاملات
وإذا جئنا إلى المعاملات، وأهم ما يكون في ذلك الأيمان: إذا حلف إنسان على شيء وكان اللفظ يحتمل معنيين فإن ما نواه هو الذي تنعقد عليه اليمين.
ويقولون في باب القضاء، يمينك على ما يصدقك فيه خصمك، فإذا حلفت وكان القسم يحتمل أمرين، فإذا نويت غير ما يريده خصمك، تريد أن تدلس على خصمك، فلا ينفعك هذا التأويل إذا كان الأمر بخلاف ذلك، بل تنعقد عليك اليمين على ما يصدقك الخصم فمثلاً: شخص مظلوم وطولب باليمين، فحلف على نية تخرجه من ظلم الظالم فإنه على نيته، كما ذكروا أن جماعة خرجوا إلى رسول الله فلقيهم خصومهم فأخذوا عدي بن فلان فجاءوا إليهم وقالوا: ليس هذا خصمكم، إنه أخونا.
فامتنع القوم أن يحلفوا لهم، فتقدم رجل وحلف إنه أخي فتركه خصومه، فلما أتوا رسول الله وعرضوا عليه الأمر قال: ( صدقت! إنه أخوك في الإسلام ).
وهكذا كان صلى الله عليه وسلم حينما كان يمر على القبائل في الهجرة، فليقيهما هو و أبو بكر رجال، وخاف أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: من هذا الذي معك يا أبا بكر ؟ -لأنهم يعرفونه، حيث كان تاجراً وعالماً بأنسابهم- فلم يقل: هذا رسول الله؛ لأنه يخاف على النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يرد عليهم بقوله: هذا هاد يهديني الطريق.
يقصد: إلى الله سبحانه وتعالى.
وهكذا إذا كنت في معاملة مع آخر، وتكلمت بكلمة لها معنيان ويمثل العلماء بما إذا قال لامرأة أو قال عند امرأة: فلانة طالق، ويعني بفلانة ناقة تطلق من عقالها، أو من رباطها، وكان ينوي ذلك، وكان عنده ناقة حقيقة، وهي طالق من العقال، ولم يرد طلاق زوجته، فالرواية عن أحمد رحمه الله أن زوجته لا تطلق لأنه لم ينو طلاقها.
وكذلك يورد العلماء مثالاً: لو أن رجلاً رأى امرأة أجنبية وظنها زوجته وقال: أنتِ طالق يريد الزوجة، فإن هذه لا تطلق لأنها أجنبية، وفي طلاق الزوجة خلاف، والراجح عند أحمد أنها تطلق؛ لأنه نواها بطلاقه.
ويتفق العلماء على أنه لو كان عنده أربع نسوة فقال: إحداكن طالق ولم يعين ولم يسم، أنه يسأل: من أردت بإحداهن؟ فإن عيَّن واحدة طلقت، والنية هي التي خصصت وهي التي حددت.
فكما قال الشافعي عن هذا الحديث: إنه يدخل في أكثر من سبعين باباً من أبواب الفقه، ولو تتبعنا الكلام في هذا لوجدنا جميع ما يعقد من أبواب الفقه يدخل فيه هذا الحديث، وقال العلماء: إنه يدخل بين العادة والعبادة فيصير العادة عبادة.
وقالوا: لو أنه نام للقيلولة ينوي بها التقوي والاستعانة على قيام الليل لكان نومه عباده، وله في ذلك أجر، ولو أنه أكل وشرب ليتقوى على الجهاد في سبيل الله لكان أكله وشربه عبادة، كما قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه حينما خرجوا في فتح مكة وكانوا يصومون قال: ( إنكم دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم )، فمن أفطر في ذلك اليوم وأكل بنية التقوي بأكله على قتال أعداء الله، فله على هذه النية أجر.
وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: ( أن الذي يرتبط الفرس في سبيل الله -ينوي إعدادها للجهاد في سبيل الله- فما أكلت ورعت ولا استنت شرفاً، ولا شربت من واد؛ إلا كان في ميزانه ) ,


ترغيب النبي عليه الصلاة والسلام في النية الحسنة والترهيب من ضدها
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: ( ألا إنما الدنيا لأربعة: رجل أعطاه الله مالاً وعلماً، فعرف حق الله فيه فهو في أعلى عليين، ورجل لم يعطه الله مالاً وأعطاه علماً فقال: لو أن لي من المال ما لفلان لعملت فيه كما يعمل، فهما في الأجر سواء، ورجل أعطاه الله مالاً ولم يعطه علماً، فلم يعرف حق الله فيه فهو في أسفل سافلين، ورجل لم يعطه الله مالاً ولا علماً فقال: لو أن لي مالاً لعملت فيه مثلما يعمل فلان، فهما في الوزر سواء )، فالذي بلغه ماله وعلمه أعلى عليين أدركه صاحب النية الحسنة، وذاك جاهل يعمل في ماله بما لا يرضي الله، وذاك نوى لو كان عنده مال لعمل فيه مثل عمل الذي قبله، فأدركه في أسفل سافلين؛ لا لشيء إلا بالنية، والأخبار في ذلك طويلة.
إذاً: هذا الحديث من أهم الأحاديث التي تدخل في العبادات وفي العادات وفي المعاملات وفي جميع أحوال الناس.
وفي الحديث: ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) وليس هذا تكراراً للمعنى، بل تقرير لصحتها ومرادها وتوجيهها، أي: كل عمل فهو بنيته.
والجملة الثانية: (وإنما لكل امرئ) امرئ: مذكر، مؤنثها: امرأة، وإذا جاء بلفظ امرئ فإنه يشمل المرأة فتكون داخلة فيه، بخلاف ما إذا عيَّن كقول من قال: ( امرؤ القيس ) فإنه خاص بشخص معين.
(وإنما لكل امرئ ما نوى): (إنما) أيضاً للحصر، فلا يتعدى عمل العبد ما نواه، ثم فصل صلى الله عليه وسلم فقال: ( فمن كانت هجرته ).
ذكر الهجرة خاصة مع أن هناك الجهاد وغيره: فمن كان جهاده لله فجهاده لله، ومن كانت صلاته لله فصلاته لله، وكذلك الزكاة، بل كل عمل يندرج تحت الأعمال بالنيات، ولكن نص على الهجرة بخصوصها.
والهجرة أصلها مأخوذ من الهجر، والهجر البعد والافتراق، والهجر مأخوذ من الهجير، والهجير شدة الحر في الظهر، ومنه الهاجرة، وهي شدة الحر، وانتقلت حقيقة اللغة المحسوسة -شدة الحر- إلى الهجرة بمعنى الانتقال إلى الهجران وهو المقاطعة، لأن الناس في وقت الهجير والهاجرة يعتكفون في ظلهم ويتقاطعون عن التواصل مخافة شدة الحر.


حكم الهجرة وأهميتها
وكذلك الهجران: تهجر صديقك، أي: تقاطعه، وفي الحديث: ( ولا يحل لامرئ أن يهجر أخاه فوق ثلاث )، والهجرة انتقال وانقطاع عما كان فيه، إلى ما ذهب إليه.
وفي الاصطلاح: انتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو انتقال من بلد لا يستطيع المسلم أن يؤدي أحكام دينه فيها، ولا أن يعبد ربه على ما ينبغي إلى بلد آخر يستطيع فيه ذلك.
وقد سبقت الهجرة إلى الحبشة مرتين، وجاءت الهجرة الكبرى إلى المدينة المنورة، وكانت الهجرة إلى المدينة ركناً من أركان الإسلام حتى جاء الفتح، ( فلا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية ).
فالهجرة في بادئ الأمر كانت ركناً، حيث كان يجب أن ينتقل الأعراب وأهل القرى المدن من ديارهم إلى المدينة المنورة، ولماذا كانت ركناً؟ لأنها كانت بداية تكون النواة الأولى للدولة الإسلامية التي ستصبح عاصمتها المدينة، لذا كان لزاماً على كل فرد آمن بالله أن يهاجر إليها، لتتكون القاعدة الصلبة لهذه الدولة والتي منها ينطلقون إلى الأمصار، وفيما بعد رجعوا إلى مكة فاتحين، فكانت الهجرة في أول الإسلام واجبة ليتجمع المسلمون ويتحدوا ليفتحوا القرى والأمصار على ما تم ولله الحمد، وأكمل الله سبحانه الدين للأمة.
وبعد أن فتحت مكة طهرت الجزيرة من درن الأصنام، وقضي على دولة الشرك وبقيت البلاد إسلامية من أقصاها لأقصاها، ثم بدأ المسلمون ينطلقون منها إلى ما جاورها.
ثم انطلق خلفاؤه من بعده صلى الله عليه وسلم، فـ أبو بكر رضي الله عنه في خلافته تصدى للمرتدين من الأعراب ممن سولت لهم نفوسهم أمراً، حتى استتب الأمر وثبت الناس على دينهم، وبدأت الفتوحات في زمن عمر رضي الله عنه فانطلقت الجيوش وفتحت الأمصار، وفتح الله للمسلمين البلاد شرقاً وغرباً.
فقد كانت الهجرة في أمر الأمر واجبة، ثم بعد ذلك صارت مندوبة، أو صارت بحسب حال الفرد، فمن استطاع أن يؤدي أمور دينه في بلده فليثبت، ومن لم يستطع فليهاجر إلى المكان الذي يستطيع فيه تأدية شعائر دينه.
وأحب أن أنبه أنه في بعض البلاد تحدث مضايقات للدعاة ولشباب الحركات الإسلامية،مما يحدو بالبعض إلى الهجرة، وترك البلاد لما فيها من فساد، أقول: إذاً: لمن تترك تلك البلاد؟ ومن يقوم بأمر الدعوة فيها إذا تركها الدعاة والصالحون، بل الواجب الصبر، وأن يثبتوا في أماكنهم وأن يدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، لعلهم أن يدرءوا الشر عن ضعاف المسلمين، أو أن يكونوا ردءاً لضعاف الإيمان فيعلموهم ويبينوا لهم ما ينبغي أن يفعلوه، وما يجب أن يتركوه، ولكن مع مصانعة الأعداء بالحكمة.
ويكفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم مكث ثلاث عشرة سنة في مكة وهو يدعو إلى الله والأصنام مثبتة في بناء الكعبة، ويصلي إلى البيت وربما يقع الصنم على ظهره، وهو لم يغير شيئاً، حتى إذا أراد الله النصر وجاء الأوان، وفتحت مكة أخذ يشير إلى الأصنام بقضيب في يده ويقول: { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ } [الإسراء:81] فتتساقط تلك الأصنام مع أنها مثبتة بالحديد .


الهجرة والتاريخ بها
إذاً: فقد كانت الهجرة أمراً عظيما وهي أعظم حدث في الإسلام، كما بين عمر رضي الله تعالى عنه حينما أراد أن يضع تاريخاً للمسلمين، والأمم متعودة أن تؤرخ بأحداثها العظام، كما أرخ الروم بمولد المسيح، فتفكر عمر رضي الله عنه فما وجد في الإسلام حدثاً أعظم من الهجرة، لأن بها تمكن الإسلام وانتشر في العالم، فجعلها مبدأ تاريخ المسلمين.


الهجرة إلى الحبشة
والسؤال هنا: لماذا خصت الهجرة بهذا التنبيه، مع أن في لفظ الأعمال ما يفيد الاستغراق؟ وأيضاً ما هي الهجرة حقاً؟ نعلم جميعا أن أعظم حدث في الإسلام بعد الوحي وبعد الرسالة هو حدث الهجرة، وكلنا يعلم أن الهجرة من مكة إلى المدينة سبقتها هجرتان إلى الحبشة، ومجمل ذلك: أن المسلمين حينما ضاق عليهم الأمر بمكة واشتد عليهم إيذاء قريش، ما خرجوا فراراً من الإيذاء، ولكن خرجوا يرتادون موطناً رحباً يستطيعون أن يقيموا فيه شرع الله، ويؤدوا عباداتهم في بلد آمن، وكان ذلك بإرشاد من رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال لهم: ( إن بالحبشة ملكاً عادلاً لا يظلم أحد في جواره ).
وهنا وقفة: فهذا ملك نصراني وهو ملك في الحبشة، والرسول صلى الله عليه وسلم يصفه بأنه عادل، ومن هنا نعلم أن العدل من الكافر يثبت له ملكه، كما قال الإمام ابن تيمية رحمه الله الملك يدوم مع العدل ولو لكافر، ولا يدوم مع الظلم ولو لمسلم.
فهذا كافر عادل، أي: يحكم بالعدل، ومن هنا ننبه على الحديث الصحيح: ( سبعة يظلهم الله في ظله .
إمام عال ) وفي بعض الروايات: (عدل) وهي الصحيحة؛ لأن العادل قد يكون كافراً وقد يكون مسلما؛ لأن العادل الذي يعادل ويساوي بين المتساويين، والأصل في العدل والعدالة: عِدْلَة الحمل من البعير، وحمل البعير عِدلتان، عِدلة في اليمين وعِدلة في اليسار، فإذا ما كانت العدلتان مملوءتين من شيء واحد متعادلتين في الوزن كان التعادل بينهما حاصلاً، وإذا ما نقصت إحدى العدلتين مال الحمل إلى شق الثقيلة وطاشت كفه الخفيفة.
فالعدل والعدالة من العدلتين المتعادلتين في الحمل، وقد يعدل حمل كافر أو مسلم، وهكذا العادل في الحكم قد يساوي بين القوي والضعيف وبين الشريف وغير الشريف، وذلك لعدله في الحكم.
أما الإمام العدل: فالعدل هو نهاية أوصاف مكارم الأخلاق كما يقول ابن مسكويه في كتاب فلسفة الأخلاق: بأن جماع الفضائل في الإنسان هو أن يكون عدلاً، بأن يكون مؤمناً عفيفاً شجاعاً كريماً، فإن اجتمعت كل خصال الخير فيه كان إماماً عدلاً، ولذا يقول سبحانه: { وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ } [الطلاق:2] أي: عدول في الشهادة موثوقين في نقل الأخبار لا يتهمون بكذب ولا بتزوير ولا بحيف، قد اجتمعت فيهم خصلة العدالة فأصبحوا عدولاً على الناس.
( إن بالحبشة ملكاً عادلاً لا يظلم أحد بجواره ) وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إقرار بالحق وإن كان لكافر، فهو مستحق لهذه المدحة.
وفعلاً خرج المسلمون أولا وأتبعهم المشركون برسلهم وهداياهم وأرادوا أن يعودوا بهم، ولكن عدل الملك أبى عليه أن يسلم المهاجرين حتى يسمع ما عندهم، ولما تكلم جعفر رضي الله تعالى عنه عن رسالة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما كانوا عليه في الجاهلية، وبما أتاهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: والله ما زاد ما جاء به رسولكم على ما جاء به عيسى ولا هذه القشة، وهكذا أعلن النجاشي إسلامه أو إقراره بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعلنها أكثر من ذلك، حينما قال: لولا ما أنا فيه من الملك لخلصت إليه وأتيته، وغسلت التراب عن قدميه.
وكانت الهجرة إلى المدينة، وقد كان أبو بكر يريد أن يهاجر فيمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: ( انتظر يا أبا بكر ! لعل الله يجعل لك صاحباً أو رفيقاً )، وكان المهاجرون يخرجون خفية إلا عمر بن الخطاب ، فقد ملأ كنانته وأخذ قوسه، وجاء إلى البيت وطاف به، ثم نادى في قريش: شاهت الوجوه! إني مهاجر، فمن أراد أن تثكله أمه أو تيتم أولاده، أو ترمل زوجه، فليلقني خلف ذاك الكثيب.
ولم يخرج وراءه أحد .


قصة الهجرة إلى المدينة المنورة


التخطيط للهجرة
وأخذ النبي عليه الصلاة والسلام و أبو بكر يعدان للهجرة، فـ أبو بكر أخذ راحلتين وعلفهما من أجل الطريق الطويل، تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الظهيرة، في وقت لم يكن يأتينا فيه، فقال لأبي بكر: أخرج من عندك! فقال أبو بكر : ليس إلا فلانة وفلانة وأمنه من أن يفشو سره، قال: أذن الله لي في الهجرة قال: الصحبة يا رسول الله.
قال: نعم.
وعرض على رسول الله الراحلة والزاد فقال بثمنها.
ثم رتب رسول الله صلى الله عليه وسلم و الصديق الخطة، على أساس أن يخرج صلى الله عليه وسلم و أبو بكر إلى الغار ويأتي عبد الله بن أبي بكر بالأخبار، وتأتي أخته بالطعام، ويأتي راعي أبي بكر بالغنم بعدهما ليعفي الأثر ويسقيهما اللبن.
واجتمع كبار كفار قريش وتآمروا في دار الندوة على حبس النبي صلى الله عليه وسلم أو قتله أو نفيه، وجاءهم الشيخ النجدي فصوب رأي أبي جهل لعنه الله، ولكن الله سبحانه الذي اختاره صلى الله عليه وسلم واصطفاه والذي بعثه وأرسله كان يتولاه ويرعاه، فعصمه من السفاح قبل ولادته كما جاء في آثاره، وعصمه من كل سوء في طفولته، وشق صدره ليخرج منه خظ الشيطان، وهكذا تولته عناية الله.
ففي تلك الليلة يأتي جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: لا تبت في فراشك الليلة، ويأتي أول فدائي كما يقولون: بل أول مسلم من الشباب، علي بن أبي طالب ، ويقول له صلى الله عليه وسلم: ( نم في فراشي وتسجى ببردي، فلن يصلوا إليك بأذى )، وهذا ضمان من الصادق المصدوق أنهم لن يصلوا إليه بأذى.
ويخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنوف أولئك الفتية، وهم واقفون بباب الدار، ولم يكفه أن يمر عليهم بل يأخذ التراب ويضعه على رءوسهم ويقرأ قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ } [يس:9] فلم يبصره واحد منهم، ثم يذهب إلى الغار، وهنا تتجلى عظمة أبي بكر وتظهر محبته رضي الله تعالى عنه، فتارة يمشي أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة يمشي وراءه، فإذا رسول الله يقول: ( يا أبا بكر ما لي أراك تارة أمامي وتارة من ورائي؟ فيقول: يا رسول الله! أتذكر الرصد فأكون أمامك، وأتذكر الطلب فأكون وراءك، فيقول صلى الله عليه وسلم: أردت يا أبا بكر لو كان شيء يكون فيك أنت؟ يقول: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إن أهلك أنا أهلك وحدي، أما أنت فمعك الرسالة ) .
وقد رسمت الخطة للهجرة، وهذا يدل على أنه يجب على كل داع أن يسلك، إعداد العدة والتحفظ والاحتياط، وكل ما يكون في إمكانية البشر.
بل قبل سنة أو عدة أشهر من الهجرة كانت رحلة فريدة، وهي رحلة الإسراء والمعراج، وكانت رحلة تكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم رداً على المشركين، وعلى ثقيف، وعلى ما لقي في الطائف، وعلى ما لقي في مكة عند عودته، حيث منع من دخول بلده مكة، فلم يدخل إلا في جوار رجل مشرك، مع أن جبريل قال له: يا محمد! هذا ملك الجبال؛ إن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين، قال: لا.
إني لأرجو أن يخرج من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله.
ودخل في حماية رجل مشرك، لماذا لم يدخل في جوار حمزة و عمر و أبي بكر ؟ لأنه يسن ويشرع في سياسة الدعوة التي يجب على كل داعية أن يسلكها ويدرسها ذلك.
فأرسل الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مطعم بن جبير ودخل في جواره وهو على دين قومه، وخرج مطعم وكان له أربعة من الأبناء الشباب، وقف كل ولد من أولاده عند ركن من أركان البيت متقلداً سيفه لابساً سلاحه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت، وجاء أبو سفيان وكشف عن الحقيقة، فقال له: أتابع أنت أم مجير، قال: إني مجير، قال: أجرنا من أجرت، وانتهت القضية.
فلو كان هذا المجير مسلماً وتابعاً لمحمد، لوقعت حرب أهلية حرب داخلية، تقضي على جميع المسلمين، وليسوا آنذاك بقوة تستطيع أن تقاوم تلك القوة.
وكما أشرت أن الداعية حسن البنا رحمه الله كان يريد أن يفتح مركزاً في قرية، وكان عمدة القرية ضد هذا المركز، فسبق أحد أبنائه إلى القطار قبل البلدة بمراحل، وركب معه القطار وأخبره، قال له: أرى أن ترجع، أرى ألا تذهب إلى المركز لأن عمدة القرية جمع رجاله وأعوانه، ويريد أن يضرب من يجتمع في هذا المركز، قال: هل علم بك أحد؟ قال: لم يعلم بمجيئي أحد، قال: إذاً فاسكت، فلما وصل القطار إلى محطة المركز، كان الناس ينزلون على الرصيف المرتفع وهو نزل من الخلف، ولم يشعر به أحد، وأخذ صاحبه بيده وترك المستقبلين المحتشدين عند القطار، وما علموا إلا بالشيخ حسن قد وصل المركز لكن لم يذهب إلى مركزه ولا إلى أحد من أبنائه ولا إلى أحد من أتباعه، بل ذهب إلى بيت العمدة بنفسه، سلام عليكم نحن ضيوفكم، فقام العمدة بأريحية أهل الريف بحق الضيافة، ثم بعد أن تناولوا القهوة أو الغداء قال: نحن جئنا لافتتاح المركز ولا يكون حفل الافتتاح إلا على شرف العمدة الذي هو أمير القرية.
فذهب العمدة مع حسن البنا بعد أن كان رجاله قد أعدوا لإحباط الافتتاح ولضرب الحاضرين فصاروا حراساً لهذا الحفل، ثم ما خرج من هناك حتى ولى العمدة رئاسة هذا المركز,
نرجع إلى موضوعنا: مشى الصديق رضي الله تعالى عنه مع رسول الله حتى وصلا إلى الغار وهناك قال أبو بكر : على رسلك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار، ويدخل رضي الله تعالى عنه الغار ليلاً، يفادي بنفسه، ودخل حتى استبرأ الغار، فقال: على بركة الله باسم الله يا رسول الله، فينزل صلى الله عليه وسلم ويجلس.


وقاية الله لنبيه من كيد المشركين
ومن الغد تأتي قريش بقلوب حاقدة وسيوف مصلطة يطلبون محمداً، الآثار تأتي بهم إلى فم الغار، لكن يكذب أعينهم عنكبوت قد نسجت خيوطها، ونبت قد تدلى، وحمامة قد باضت، فكيف سيدخل من أراد الدخول دون تمزيق هذا النسيج؟ فكذبوا أنفسهم ورجعوا.
نقول: نعم.
لقد ردهم الله ورد كيدهم، لا بالدروع والسيوف والجنود، ولكن أمام نسج العنكبوت، كأنه يقول لهم: قوتكم لا تساوي هذا النسج، لأن الباطل لا قوة له.
ثم بعد ذلك يمضي رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه، ويضع لنا معلماً عظيماً في طريقه حينما يأتي أم معبد وهي امرأة كانت في الطريق عند خيمتها، عندها عنز عجفاء لا تستطيع أن تلحق بالغنم في المرعى، فيقول لها الصديق رضي الله تعالى عنه، هل عندكم من قِرى؟ قالت: إن أردت القرى فاذهب إلى شيخ الحي، قال: وما هذه العنز قالت: إنها عجفاء.
فقال صلى الله عليه وسلم: عليّ بها.
وفي رواية: ذهب إلى الظل ثم جاءت المرأة بولدها وقالت: اذهب بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين فليذحانها وليطعمانا وليطعما، فلما جاء بالعنز وبالمدية قال: رد المدية وأتني بقدح، قال: إنها عجفاء لا حليب فيها، فرد المدية وجاء بالقدح، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم على ضرعها ودعا الله، وحلب فشرب وشرب الصديق ، وشرب دليلهم ابن أريقط وبقي الإناء مليئاً بالحليب، فذهب به إلى أم معبد فقالت: والله إن كان هذا ساحراً لهو أكبر السحرة، ولئن كان هذا هو الصابئ في مكة لهو صادق حقاً.
وفي امتناع الرسول عليه الصلاة و السلام عن ذبح الشاة دليل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام يأبى أن يكون في هجرته وفي طريقه إراقة قطرة دم ولو كانت لشاة، ويختار على ذلك أن يدعو الله وأن يدر له الضرع، فيحلب ويشرب وتبقى العنز كما هي، إن في ذلك إشعاراً بأن الهجرة كانت هجرة خير وبر لا هجرة دم ولا انتقام.
ووصل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأول من يعلن عن قدومه رجل من اليهود، ينادي: يا بني قَيْلة! هذا جدكم الذي تنتظرون! وهنا وقفة: فدليل الرحلة رجل مشرك، وفي الإعلام عن وصوله رجل يهودي، يا سبحان الله، دعوة الإسلام تنتقل إلى المدينة بقيادة رجل مشرك، ورحلة الإسراء والمعراج على براق جبريل عليه السلام، فتلك دعوة تكريم لن تكون لأحد بعده، ولن تتكرر لأحد، وليست للتشريع ولكن للتكريم، أما رحلة الهجرة فكانت للتشريع والتعليم، ولبيان المناهج الصحيحة لدعاة الإسلام.
فلكأن الله يشعر المسلمين، بأنه سخر المشركين لخدمة الإسلام، وسخر اليهود لخدمة الإسلام أيضاً، إذاً لا مانع أن يستخدم المسلمون المشركين في أمور دنياهم، ولا علاقة لدينهم بذلك.
كانت الهجرة المباركة ووصل صلى الله عليه وسلم إلى قباء، وبنى مسجد قباء، ثم نزل إلى المدينة وبنى المسجد النبوي وتمت الهجرة النبوية وكانت المدينة منطلق المسلمين وعاصمتهم الأولى.


ثناء الله عز وجل على المهاجرين والأنصار
وهنا يسجل الله سبحانه للهجرة وللمهاجرين الأولين فضلهم، فيقول كما في سورة الحشر { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [الحشر:8]، فهذه شهادة من الله للفقراء المهاجرين، فقد كانوا فقراء بعد الهجرة، وليسوا فقراء قبلها؛ لأنه يقول تعالى: { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ } [الحشر:8] إذاً كانت لهم ديار وكانت لهم أموال.
وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم لما جاء في فتح مكة وسئل في أي بيت من بيوتك ستنزل يا رسول الله؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من بيت أو دار؟ فالمشركون أخذوا بيوت المهاجرين وباعوها، واستولوا عليها، والمهاجرون تركوا ديارهم وتركوا أموالهم، وهذا صهيب لما خرج مهاجراً وأدركه المشركون وقالوا: جئتنا صعلوكاً لا مال لك فلما أثريت بالمال تخرج وتهاجر، والله لا يكون ذلك أبداً، فقال: يا معشر قريش أويهمكم المال؟ إنكم تعلمون والله إني لرام لا يخطئ سهمي، وإن كنانتي ملأى، فإن كان همكم المال، فدونكم المال قد دفنته في مكان كذا، ارجعوا إليه فخذوه، فتركوه ورجعوا، وهاجر وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( ربح البيع أبا يحيى ) .
إذاً خرج المهاجرون من ديارهم وأموالهم، لما هو أعز من ذلك، ولذا ننظر المعادلة، { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [الحشر:8] ماذا كانت المعادلة من إخوانهم الأنصار { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ } [الحشر:9]؛ هكذا المعادلة: مهاجرون تركوا ديارهم وأموالهم لله فوجدوا إخوانهم يؤثرونهم على أنفسهم؛ فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وسجل الله للفريقين الفضل العظيم والشرف الكبير، سواء المهاجرون الذين يريدون بهجرتهم نصرة الله ورسوله، ويقر لهم سبحانه بذلك، ويشهد لهم بأنهم صادقون في هجرتهم.


علة اختبار المهاجرات دون المهاجرين
ويهمنا في ذلك القسم الثاني من المهاجرين وهو هجرة النسوة المؤمنات حيث يقول الله تعالى فيهن: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ } [الممتحنة:10].
فالمهاجرون من الرجال بين الله صدقهم في قوله: { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [الحشر:8] فلا يحتاجون إلى امتحان، والنسوة يأتين مهاجرات فنمتحنهن، ويذكر ابن كثير في كيفية الامتحان أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول لإحداهن: والله ما خرجت من ضيق عيش، ولا هرباً من زوجٍ.
فلماذا هذا الامتحان؟ لأن الرجل حينما يخرج من مكة يعلم بأن عليه واجباً، ألا وهو القتال، إذاً: ما خرج من مكة إلا وهو مستعد ملتزم بهذا الأمر الشاق العظيم، فلم يكن لامتحانه حاجة، لأن واقع أمره يصدق فعله، أما النسوة فلا قتال عليهن، فقد تهاجر وتأتي وتتزوج، وقد تهاجر وتأتي ولا تطالب بضريبة الجهاد، إذاً: هجرة النسوة كانت محتملة، ومن هنا فلابد أن تمتحن.


أقسام الناس في الهجرة
يقول عليه الصلاة والسلام: ( من كانت هجرته إلى الله ورسوله ) كأولئك الذين شهد الله لهم بأنهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا، وأنهم ينصرون الله ورسوله، وأنهم صادقون ( فهجرته إلى الله ) ، أي: من كانت هجرته إلى الله ورسوله قصداً واحتساباً وصدقاً فهجرته إلى الله فعلاً، وجزاءه على الله سبحانه.
أما القسم الثاني: ( ومن كانت هجرته إلى دينا يصيبها، أو امرأة يتزوجها ).
وخصت الهجرة من دون سائر الأعمال؛ لأنها أعظم حدث في تاريخ الإسلام، ولذا نوه بها صلى الله عليه وسلم إعظاماً لشأنها.
والله تعالى أعلم.
أما ( فمن كانت هجرة إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها )، فيذكر العلماء أن سبب الحديث أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة يقال لها: أم قيس فامتنعت عليه حتى يهاجر فهاجر ليتزوجها.
وكما جاء عن ابن مسعود : كنا نقول: مهاجر أم قيس ، ويقول ابن رجب : لم يثبت هذا الأثر، أي: لم يثبت سنداً بهذا السبب، ولكن يهمنا الأمثلة التي يوردها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا نظرنا إلى هذا التحديد: دنيا، وامرأة، والمرأة من الدنيا، ودنيا إذا أطلقت فهي تأنيث الأدنى، وهي بالنسبة إلى الآخرة أدنى، سواء كانت أدنى زماناً، بأن يكون سبقها أزمان، أو أدنى منزلة بأنها بالنسبة إلى الآخرة لا تساوي شيئاً: ( لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) فهي دنية دنية، وسواء في ذلك المال أو الجاه .
إلى آخره.
الذي يهمنا أن أي إنسان هاجر لشيء فهجرته إلى ما هاجر إليه، وهنا حكم مبتدأ وخبر، هجرته إلى ما هاجر إليه، أي: هجرته إلى ما هاجر إليه لا إلى الله ورسوله.
وإذا تأملنا حال المهاجرين فقد يهاجرون حقاً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيجدون الكرامة ويجدون العوض عند الله عز و جل، ومن الناس من قد يهاجر لأجل الدنيا فيجدها، فيأتي فقيراً ويغنيه الله، وقد يأتي مهاجراً للزواج فييسر الله له زواجه.
ولذا نقول: وهل الهجرة للدنيا ممنوعة؟ وهل المرأة ممنوعة من السفر؟ إن السفر للتجارة الرابحة قد بينه سبحانه وتعالى، فالمرء إذا ضرب في الأرض ليبتغي من فضل الله، أو ليتزوج امرأة صالحة؛ فلا مانع، بل جاءت الرحلة كما في الحديث الصحيح، ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ) فليس هناك مانع، فمن أراد الدنيا فليعلنها: جئت للدنيا، ومن أراد الزواج فليقل: جئت لأتزوج، لا أن يأتي في إطار الهجرة لله ورسوله بينما يبطن في نيته دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها.
ومن هنا يرجع أول الحديث على آخره ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.





الكتاب : شرح الأربعين النووية
المؤلف : عطية بن محمد سالم (المتوفى : 1420هـ)
شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [1]

شرح حديث جبريل عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد الأمين، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: عن أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ ) .

عظمة معاني هذا الحديث على غيره
إن هذا الحديث الشريف ليعتبر من أهم وأعظم وأجمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال بعض العلماء: إنه مدار جميع طوائف علماء الإسلام: من فقهاء ووعاظ وزهاد وعباد، وهو مع طوله يضع منهجاً تعليمياً بجانب المنهج العلمي، فقد أرشد فيه صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام جاء يعملهم أمر دينهم، فجمع الدين كله بتعليم من جبريل عليه السلام في هذا الحديث، ولهذا مهما عُني به الإنسان ومهما تناوله العلماء فلا أعتقد أن أحداً يوفيه حقه إلا إذا تكلّم على الدين كله.
يبدأ هذا الحديث بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وتقدمت ترجمة عمر في الحديث الأول: ( إنما الأعمال بالنيات ) .
يقول رضي الله تعالى عنه: ( بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد، ولا يرى عليه أثر السفر، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ ).

المكان الذي أتى فيه جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم
جاء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الرجل المتعلم، وفي بعض الروايات: ( بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ) .
وكلمة: (بينما) أو (بينا) يتفق علماء اللغة والمحدثون على أن (بينما) أصلها (بين) الظرفية التي تأتي للزمان وللمكان، تقول: جئتك بين العشاءين، وجئتك بين الظهر والعصر، ولقيتك بين المنبر والحجرة، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )، وقد تأتي (ما) قبل (بين) وتكون موصولة، فإذا جاءت (ما) بعدها لم تضف (بينما) إلا إذا كانت بين مجموعتين لا بين فردين، و(ما) هنا ألحقت بها لتكفها عن الإضافة إلى الفرد فلا تعمل الجر بالإضافة فيما بعدها، ولهذا يعرب ما بعدها مرفوعاً على الابتداء.
(بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم)، وفي بعض الروايات: (في المسجد).
وهو المسجد النبوي الشريف، يأتي جبريل عليه الصلاة والسلام معلماً في صورة المتعلم، ولهذا حُقّ لطلبة العلم في المسجد النبوي أن يفخروا ويحمدوا الله سبحانه، لأنهم يدرسون في المسجد الذي جاء فيه جبريل عليه الصلاة والسلام معلماً في صورة المتعلم.

تعظيم أهل الحديث لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم
وهو كذلك يعطينا أيضاً صورة طالب العلم كيف يأتي إلى المسجد النبوي وإلى المعلم بهذه الصورة: (شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر) فطالب العلم وخاصة العلماء تكون لهم هيئتهم ونظافتهم ومظهرهم.
وقد قالوا: كان مالك رحمه الله أشد الناس عناية باللباس، خاصة إذا درّس الحديث النبوي الشريف، وربما يبيع بعض أثاث بيته ليكمل هيئته في لباسه من أجل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي قصة مجيء هارون الرشيد إليه، حينما جاء إلى المدينة وعلم بموطأ الإمام مالك ، وكان من قبل أبو جعفر المنصور أشار على مالك بهذا الكتاب المبارك.
وجاء هارون ومعه الأمين و المأمون وأراد لهما أن يسمعا الموطأ من مالك ، فطلبه بكتابه إلى دار الإمارة، فامتنع من الذهاب إليه، وقال: إن العلم يؤتى إليه ولا يأتي، فجاء هارون الرشيد بنفسه ليسمع الموطأ من مالك ، فلما وصل إلى باب بيته وأخبرته الخادمة أن هارون الرشيد على بابه، أبطأ حتى جاء إلى هارون وأذن له بالدخول، فقال له هارون الرشيد : ما هذا يا مالك ! طلبناك فامتنعت علينا، وجئناك فأوقفتنا على بابك؟! قال: يا أمير المؤمنين! إن وقوف العلماء على أبواب الأمراء يزري بهم، ووقوف الخلفاء على باب العلماء يعلي شأنهم، ثم إني علمت أنك جئت إلى بيتي، لا تريد دنيا ولا مالاً إنما تريد العلم، فذهبت فاغتسلت، ولبست ثيابي وتهيأت كي ألقي عليك من سنة رسول الله وأنا على أحسن حال.
وهكذا ينبغي لطالب العلم! كان بعض إخواننا الذين درسنا معهم في هذا المسجد النبوي الشريف كتاب بلوغ المرام، ورياض الصالحين، ونيل الأوطار، وهذا الكتاب المبارك الموطأ، كانوا في النهار يعملون في الأسواق على لقمة العيش بعفة وباستغناء عن الناس، فإذا جاء وقت الدرس بين المغرب والعشاء، كأنهم أقمارٌ في هذا المسجد في نظافتهم وهيئتهم ونور وجوههم، وهكذا: فقد كانوا في النهار عمالاً يسعون على أرزاقهم وعند الدرس لا تفرق بين أحسن إنسان في المسجد وبين هؤلاء الطلبة.
وهكذا يرسم لنا جبريل الطريق، ثم ها هو يأتي في بعض الروايات: ( أنه وقف بعيداً وقال: يا محمد أأدنو؟ قال: ادن، ثم دنا قليلاً، وقال: أأدنو؟ قال: ادن، إلى أن وصل إلى مكانه وجلس ).
وبعض الكتب تذكر أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم مجلس خاص؛ لأن الأعراب حينما كانوا يأتون إليه لا يفرقون بينه وبين سائر المسلمين ولا يعرفونه، فجعل له مجلساً خاصاً يميزه عند من يأتيه وهو لا يعرفه فيقصده صلى الله عليه وسلم، ولكني لم أجد في من أرّخ للمسجد النبوي هذا المجلس الخاص يذكرون أسطوانة الوفود في الروضة، التي كان يستقبل عندها الوفود، ويذكرون غيرها من الأسطوانات مثل أسطوانة السرير عند الاعتكاف، وأسطوانة التوبة لـ أبي لبابة ، وأسطوانة المخلقة التي كان يجلس عندها ويجلس عنده شيوخ بني هاشم أو شيوخ المهاجرين الذين يوجدون بالمدينة إلى غير ذلك من الأماكن.

هيئة طالب العالم أمام شيخه
والذي يهمنا: أن جبريل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس الذي هو فيه، وأنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم مجلساً خاصاً في المسجد النبوي يستقبل فيه الناس.
ومن هنا أخذ العلماء كيفية حالة الطالب مع شيخه حين طلبه للعلم بين يديه، ومجيئه بكل وقارٍ واحترامٍ لأستاذه كما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم,


وكذلك من حق العالم أن يتخذ مكاناً في المسجد يجلس فيه، ولا يحق لأحد أن يسبقه إليه، وإذا سبقه إليه أحد فمن حقه أن يقيمه عنه، وهذا موضوع سبق النزاع فيه في هذا المسجد في القرن السابع الهجري، وقام ابن فرحون وكتب كتاباً - وهو مخطوط موجود في مكتبة عارف حكمت، وتوجد منه نسخة في مكتبة الجامعة- وذلك عندما نازعه أشخاص في أن يختص بمجلس له، فكتب الرد عليهم، وبين مشروعية ذلك، وأتبعه ب

السؤال
هل الأفضل للعالم بعد أداء الدرس أن يجلس مع طلابه يتناقشون في مسائل درسهم ويصلي مكانه، أو أنه يتركهم ويذهب إلى الصف الأول لفضيلته؟ ورجح أن جلوسه مع طلابه يدارسهم ويسألونه ويجيبهم عما أشكل عليهم في درسه أفضل له من أن يتقدم إلى الصفوف الأول؛ لأنه حاضرٌ قبل أن يتم الصف الأول.
وفي تلك الهيئة، يسند جبريل ركبتيه إلى ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم، ويضع كفيه على فخذيه، أي: فخذي النبي صلى الله عليه وسلم، كما يذكر بعض العلماء، وفي رواية عند النسائي فيها التصريح بأن جبريل وضع كفيه على فخذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الهيئات التي رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام
وهنا وقفة: فهذا جبريل الملك الذي سد الأفق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، { وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى } [النجم:7-8] وذلك عندما طلب منه صلى الله عليه وسلم أن يراه على هيئته الحقيقة، فرآه فإذا به يسد الأفق بجرمه، وهذا هو جبريل الذي رفع قرية قوم لوط على طرف جناحه، حتى سمعوا صياح الديكة والحيوانات في سماء الدنيا، ثم قلبها كما قال الله تعالى: { وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى } [النجم:53] أي: المنقلبة، فإذا به يأتي ويظهر في سورة رجل، ويدخل المسجد من بابه، ويأتي إلى مجلس رسول الله، يسند ركبتيه إلى ركبتيه وكفيه على فخذيه.
كيف تحول جبريل عليه الصلاة والسلام من هذا القدر العظيم إلى هذه الصورة؟ هذا عالمٌ نوراني لا دخل للعقل فيه قط، وكذلك نرى من أحوال الجن وهو عالم نيراني -أي: من النار- ما يتشكل ويتجنس، وإذا تشكل في صورة أحكمته أحكام تلك الصورة.
فجبريل عليه الصلاة والسلام يتشكل بهذه الصورة، وأحيانا كان يتشكل كما قال صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي رضي الله عنه، وقد كان يأتي في خفاء عن الناس، وهنا يأتي ظاهراً عياناً لكأنه يُشهد الخليقة بأن هذا جبريل الذي يأتيني بالوحي ما كان خافياً فقد أصبح ظاهراً، وقد يراه بعض الناس وقد لا يراه.
وقد جاء في أحاديث حق الجار عن بعض الأنصار قال: ( خرجت مع أهلي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا برجل يقاومه -يعني: قائمٌ معه، والمقاومة يكون فيها كلٌ شخص قائم لصاحبه- فجلست وظننت أن له حاجة، ولقد رثيت لرسول الله من طول القيام مع هذا الرجل، فلما ولى الرجل، جئت وقلت: يا رسول الله! والله لقد رثيت لحالك من طول قيامك مع هذا الرجل، قال: أرأيته؟ قلت: بلى، قال: أتدري من هو؟ قلت: لا.
قال: إنه جبريل، ولو سلمت عليه لردّ عليك السلام؛ ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ).
وحديث ابن عباس ، وذلك لما ( جاء العباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واستأذن ثلاث مرات فلم يؤذن له، والباب مفتوح والرسول أمامه، و العباس يرى رسول الله، ويستأذن عليه فلا يأذن له، فرجع مغاضباً -وكان في بني هاشم حدّة- فلما رأى ابن عباس أباه مغضباً، قال: يا أبت! لم تغضب؟ لعله مشغول بالرجل الذي عنده يحادثه، قال: وهل عنده رجل؟ قال: بلى، قال: ما أرى شيئاً، قال: ارجع، فرجع فإذا بالرجل الذي عنده ليس موجوداً، فاستأذن فأذن له رسول الله، فقال: يا محمد! جئتك واستأذنت عليك ثلاث مرات فلم تأذن لي وأنا أراك بعيني، والغلام يقول: لعلك كنت مشغولاً بالرجل الذي كان عندك، فقال: أرأيته يا غلام؟ قال: بلى، قال: أتدري من هو؟ هذا جبريل عليه السلام كان عندي آنفاً ).
إذاً: جبريل عليه السلام وهو ملك؛ إما أن يتحول في صورة البشر ويقترب من البشر، ويقترب من رسول الله فيما يمكن أن يأخذ عنه ويلقي إليه، وإما أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالة الوحي، وهي أعلى منزلة في حالة البشرية العادية، حتى يتلقى عن الملك في حالته الملائكية، وهذا بناءً على ما أجرى الله لرسوله من تلك التهيئة البدنية على خلاف العادة، حينما شق صدره وهو غلامٌ صغير، فقد كان ذلك تهيئة لما سيتلقاه من الوحي الذي لا يمكن للبشر العادي أن يتلقاه.
وهكذا جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عياناً، وفي صورة رجل من أجل أن يؤدي المهمة العظمى ويعلم الناس أمر دينهم.

سبب مجيء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ولم يأت جبريل بهذه الأسئلة؟ قال بعض العلماء: لأنهم كانوا لا يحسنون السؤال، أو ربما يسأل الإنسان عما تحمله به زوجته، أو عما يأتي به الغد، أو عن أبيه من هو؟ ولهذا حظر الله عليهم كثرة سؤال الرسول، وجعل بين يدي سؤاله صدقة، فمن أراد أن يسأل رسول الله، فقبل أن يسأل عليه أن يتصدق، وليس كل إنسان يجد الصدقة، فيكف الناس عن كثرة الأسئلة ولا يسأل إلا من تصدق ومن كانت له حاجة ضرورية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } [المجادلة:12] ، ثم قال: { فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } [المجادلة:13].
(فإذا لم تفعلوا) أي: لم تستطيعوا، { فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } [المجادلة:13]، وهذه الصدقة شرعت ثم نسخت، كأنها تقول: احذروا كثرة الأسئلة، فمن واجب الشخص قبل أن يسأل رسول الله أن يتصدق قبل السؤال، ويقولون: إنه لم ينفذ هذه الآية إلا علي رضي الله تعالى عنه، وبعضهم يطعن في سند هذا الحديث بالنسبة لـ علي .
المهم عندنا أنهم أمروا أن يقيموا الصلاة، وأن يلتزموا بتعاليم الإسلام، فكفوا عن بعض الأسئلة، وكان يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: (كنا ننتظر الأعرابي يأتي ليسأل فنفرح بسؤاله لنسمع الجواب)؛ لأنهم كفوا عن الأسئلة، وما كانوا يسألون إلا في الضروريات، فإذا جاء إنسان من البادية، وليس عليه هيئة الحضر، ويسأل حاجته فيفرحون بالسؤال؛ لأنهم يسمعون الجواب، فها هو جبريل عليه السلام جاءهم بالمنهج السليم في طريقة السؤال، فهو عالم ومتعلم، وهو الذي جاء بهذه الأمور كلها بالوحي؛ ولكن ليعلم الحاضرين كيف يسألون، وليبين لهم حقيقة الدين ما هي.

تخفي جبريل حتى خفي على النبي صلى الله عليه وسلم
قول عمر رضي الله تعالى عنه: (إذ طلع)، هذه (إذ) الفجائية، كأننا فوجئنا بشخصٍ.
وانظر إلى دقة الوصف: (شديد بياض الثياب)، كأنه خارج من الحمام، (شديد سواد الشعر)، كأنه لم يمش خطوة في شارع، (لا يرى عليه أثر السفر) لنصاعة بياض ثيابه، ونقاء شعره من وعثاء السفر.
(ولا يعرفه منا أحد) ، أي: لا هو مسافر من بعيد، ولا هو من أهل البلد نعرفه، فلو كان من أهل المدينة لعرفه منا أحد، فلم يكن أحد من أهل المدينة يعرفه، ولم يكن قادماً من سفر، إذاً: من أين جاء؟ عمر يصف لنا الواقع، ويصف صورة مجيء جبريل التي تثير التساؤل! نحن الآن نفرض لو أننا جلوس ورأينا واحداً وهو قاعد في الوسط أطول من الحاضرين بمتر، لا نعرفه ولم نر عليه أثر السفر، نقول: من أين جاء؟ طلع من الأرض أو نزل من السماء؟! ما رأينا الأرض انشقت عنه، ولا رأينا السقف انفرج عنه ونزل، ولكن جاء بصورة رجل ودخل واستأذن، فهو رجلٌ؛ لكن من أين جاء؟ هل أحد قال: إنه رأى جدران المسجدان تنشق عنه وهو يخرج منها؟ فاقترب جبريل عليه السلام وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسند الركبتين إلى الركبتين، وأخذ كفيه وبسطهما ووضعهما على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (يا محمد!).
ومعلوم بأن نداء النبي صلى الله عليه وسلم باسمه لا يجوز، قال تعالى: { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } [النور:63] ، وإنما يقال: يا نبي الله، يا رسول الله، فكيف جبريل نفسه يقول: يا محمد؟ هذا الأسلوب يتخذه الأعراب، فكأن جبريل جاء ويسأل على الأسلوب الجاري عند أهل البادية وعلى طريقتهم بدون كلفة أو ألقاب ومقدمات.
ثم قال: (أخبرني عن الإسلام) فأجابه صلى الله عليه وسلم.
وهنا نتساءل: هل الرسول عرف بأنه جبريل حينما قال: يا محمد، ثم جاراه في الأسئلة والأجوبة، أم أنه لم يعرفه، وكأنه رجلٌ من الرجال يسأل عن الإسلام وهو يجيبه؟ يرى بعض العلماء أنه لم يعرفه، ويروي في ذلك: ( ما التبس عليّ جبريل قط حينما يأتيني إلا هذه المرة، وما عرفته إلا بعد أن ولى )، فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه ما عرف السائل بأنه جبريل عليه السلام حتى ولى، فعرف من توليه أنه جبريل، وقال: ( ردوا عليّ الرجل ).
لماذا يقول: ردوه؟ فما دام سأل وأخذ الجواب، فلماذا لم يتركه يذهب لحاله؟ لأنه تذكر بأنه جبريل عليه الصلاة والسلام.

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [2]

شرح أركان الإسلام الخمسة
أجاب النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عن الإسلام بأركان الإسلام الخمسة التي هي: ( أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت يا محمد! قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه ) .
ونقف هنا عند هذه الأركان الخمسة، بالمقارنة بقوله: ( أخبرني عن الإيمان )فأخبره بأمور كلها غيبية، قال: ( أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، و اليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره ).

دلالة الإسلام على الأعمال الظاهرة والإيمان على الغيبيات
أركان الإسلام كلها أعمالٌ ظاهرة، أولها: النطق بالشهادتين، فالنطق مسموع بالآذان.
وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة: وهي جزء من مالك تخرجه للفقراء.
وصوم رمضان: وهو كف الإنسان عن الطعام والشراب والمبطلات للصيام.
وتحج البيت: وهي رحلة طويلة إلى بيت الله الحرام لها مناسك معلومة في أيام معدودة.
ولذا قالوا: أركان الإسلام تنبعث من معنى الإسلام نفسه، فهو الاستسلام والانقياد، كما قال حكيم الجاهلية: وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا إذا هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبت عليها سجالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالا فيقول: أسلمت وجهي، بمعنى: استسلمت وانقدت لمن انقادت إليه العوالم العلوية والسفلية، الذي انقادت وأسلمت له المزن وهي السحب.
تحمل عذاباً زلالا: أي الماء حينما تساق السحب إلى أرض فتسقيها.
السجل: الذَنَوب الكبيرة؛ هذه السحب التي تحمل الماء العذب الزلال، من الذي أنشأها؟ ومن الذي ساقها؟ ولمن تستسلم في مسيرتها؟ لله الذي خلقها.
وهذه الأرض التي تحمل الجبال التي أرسيت بها، من الذي أرساها؟ يقول هذا الحكيم الجاهلي: أسلمت وجهي لمن أسلمت له تلك العوالم التي يشاهدها؛ فكذلك الإسلام: أن يستسلم العبد لله في أوامره بأن يأتي ما أمره الله به، وفي نواهيه بأن يجتنب ما نهاه الله عنه، وإذا كان الأمر كذلك؛ كانت عوامل الاستسلام ظاهرة.
وقد جاءت أحاديث تدل على أن الإسلام أعم من هذه الخمس، مثله قوله صلى الله عليه وسلم: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) أي: بأن يكف عن الكذب، الغيبة، النميمة، الحسد، الحقد إلخ.
إذاً: الإسلام أوسع، وهو يشمل كل ما فيه معنى الاستسلام لله: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء:65]، والآية تشير إلى: (يؤمنوا) (ويسلِّموا) أو كأن الإيمان والإسلام صنوان.
بينما الإيمان: أن تؤمن بالله، وإن لم تره ولم تلمسه، فهو أمر غيبي، ولكن توقن بوجوده استدلالاً بآثاره: { وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ } [الذاريات:21] ، { أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ } [الملك:16] الآيات.
وملائكته لم نرهم ولم نشاهدهم، وقد شاهد بعض الناس بعض الملائكة فرداً من أفراد الجنس، و إذا رأينا ملكاً واحداً لكأنما رأينا جميع الملائكة؛ لأنها جنس.
لو أن شخصاً ما رأى التمر قط، ثم جيء بتمرة واحدة، ولكنه يرى البرتقال والتفاح والموز، فقال: ما هو التمر؟ قيل: خذ، فإذا رأى تمرة واحدة حكم بها على جنس التمور بجميع أنواعه، وهكذا الواحد بالجنس، والواحد بالفرد، فهذا الملك قد رئي ورآه بعض الناس، ونحن نؤمن بالملائكة ولو لم نرهم؛ لأنه جاءنا الصادق المصدوق بأمرهم، كما سيأتي الكلام على أركان الإيمان.
ونحن نحتاج إلى وقفات عند كل ركن من هذه الأركان، ولكن لا نستطيع ذلك، وإلا لقضينا الوقت كله والليالي العديدة في هذا الحديث، كما يقول ابن رجب : ما من عالم من علماء المسلمين في فن من الفنون إلا ويرجع إلى هذا الحديث.

معنى: (أشهد أن لا إله إلا الله)
قال صلى الله عليه وسلم: ( الإسلام: أن تشهد أن لا إله وأن محمداً رسول الله ).
قولك: ( أشهد أن لا إله إلا الله) أي: معتقداً بذلك جازماً بأنه لا مألوه بحقٍ إلا الله، ومألوه بمعنى: معبود، لا معبود بحق إلا الله.
وجيء كلمة (بحق) لأن هناك معبودات كثيرة، كما اتخذ العرب في الجاهلية أصناماً متعددة، وقال تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } [الجاثية:23]، وفي الحديث: ( تعس عبد الدرهم والدينار ).
فالناس لهم معبودات كثيرة، ولكن المعبود بحق هو الله سبحانه وتعالى، وأنت تعلن ذلك في الفاتحة: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة:4-5].
فإذا قلت: لا إله إلا الله؛ فمعناها: لا مألوه ولا معبود بحق إلا الله، ولا ينبغي صرف شيء من العبادات لغير الله: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف:110]، وتقدم الكلام على نية الإخلاص ونية القصد، وهي قصد التوجه لله تعالى بأعمال الخير، وهنا إذا قلت: لا إله إلا الله، كان عليك أن تلتزم بلوازمها ومفاهيمها.

معنى: (أشهد أن محمداً رسول الله)
إذا قلت: (أشهد أن محمداً رسول الله)، فمعنى الرسالة أن الله أرسله، والرسول لابد أن تكون معه رسالة، إذاً لا يوجد رسول بدون رسالة، ولا يسمى رسولاً إلا برسالة معه، فتؤمن بالرسول وبالرسالة التي جاءك بها من عند من أرسله.
ومن لوازم (لا إله إلا الله): أنك لا تعبد سواه، وتؤمن به وبكل ما جاء عنه، وإذا قلت: (محمد رسول الله)، كان يلزمك أن لا تعبد الله الذي ما آمنت به إلا عن طريق هذا الرسول وبمقتضى الرسالة التي جاءك بها، فإن عصيت رسول الله، فحقيقة المعصية معصية لمن أرسله إليك، { مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ } [المائدة:99]، وقد قال اللهم بلغت اللهم فاشهد، وانتهى من المهمة، وبقي التنفيذ عليك، وبقي تمام الالتزام منك.
ومن هنا يقول صلى الله عليه وسلم: ( كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد )، ويقول مرسله سبحانه: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر:7]، ثم يقول أيضاً: { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } [النجم:3-4].
إذاً: معنى قولك: (أشهد أن محمداً رسول الله) التزام طاعة رسول الله، وهي طاعةٌ لله: ( من أطاعني فقد أطاع الله )، ونحن نشبه ونقول إيضاحاً لهذا الالتزام: إنه في العرف الدبلوماسي يعبرون بقولهم: تبادل السفراء بين الدول؛ لأن الدولة لا تتعامل مع الدولة بأن يأتي وزراء الدولة كلهم إلى وزراء الدولة الأخرى بكل حاجياتهم، ولكن يختار رئيس الدولة مبعوثاً عنه يسمى سفيراً، فيأتي ويقدم أوراق اعتماده إلى الدولة التي هو سفير فيها، وبعد ذلك يكون سفيراً رسمياً بين الدولتين، وكل ما يأتي به هذا السفير من دولته إلى الدولة التي هو مبعوث إليها يكون كلامه لا باسمه الشخصي ولكن باسم دولته ورئيسها، فإذا قبلت تلك الدولة ما جاءهم بها كانت العلاقة حسنة وتواصلت الروابط الدبلوماسية، وإذا رفضت ما جاء به كان تعكر الجو السياسي، وسحب كل بلد سفيره، وربما قطعوا العلاقات الدبلوماسية، لأنهم رفضوا ما جاء به السفير من عند دولته، والرسول صلى الله عليه وسلم جاء بأوراق اعتماده من المعجزات الباهرات حسياً ومعنوياً.

معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس معجزات الأنبياء
يقول السيوطي : ما أوتي نبي معجزة إلا وأوتي نبينا صلى الله عليه وسلم من جنسها.
فموسى عليه السلام أوتي العصا تنقلب حية تسعى، والرسول صلى الله عليه وسلم أعطى عكاشة في بدر قطعة خشب لما جاءه وقال: انكسر سيفي، فأعطاه عوداً من الخشب وقال: اضرب وقاتل بهذا، فأخذه فانقلب في يده سيفاً بقي عنده إلى ما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم!.
والرسول صلى الله عليه وسلم حينما لقي ركانة في مكة قبل الهجرة ودعاه إلى الإسلام، قال: ( يا محمد! دعك عني، قال: أتصارعني، فإن صرعتني فلك شاة، فصارعه، فصرعه رسول الله، فقال ركانة : واعجبا تصرعني أنت، والله ما وضع أحد جنبي على الأرض قبلك، أتعود للثانية؟ قال: نعم، قال: ولك شاة.
ففعل ذلك ثلاث مرات، حتى قال ركانة : يا ويح ركانة ، ماذا أقول لأهلي: شاة أكلها الذئب وشاة شردت عني، وماذا أقول في الثالثة؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: لا أجمع عليك الغلبة والشياه، خذ شياهك، فعجب ركانة ، قال: أتعجب يا ركانة ! ألا أريك أعجب من هذا؟ قال: وما هو؟ فنظر إلى شجرة هناك فقال: تعالي ، فجاءت تخط الأرض حتى وقفت بين يديه، ثم قال: عودي حيث جئت، فعادت، فقال: ركانة أمهلني أنظر في أمري ) .
أكثر من هذا أن الجذع الذي كان يحن إليه صلى الله عليه وسلم، جذع له ثمان سنوات وهو يخطب عليه؛ لأن المنبر صنع سنة ثمان من الهجرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكئ على الجذع حينما يخطب، فلما تحول وصعد المنبر، فإذا بالجذع اليابس يحنّ لرسول الله كحنين الناقة العشراء، يسمعه جميع من في المسجد، فيأتي إليه ويمسح عليه، ويقول له: ( إن شئت ذهبت وغرستك في البستان وصرت نخلةً تثمر تعود إليه الحياة، وإن شئت أن تكون غرساً من غرس الجنة أدفنك هنا في الروضة، فيجيب الجذع وهم يسمعون: بل أكون من غرس الجنة ).
موسى عليه السلام كان معه معجزة الحجر، كما قال الله: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً } [الأعراف:160]، يخرج الماء من اثنتا عشرة عيناً من الحجر الذي مع موسى بضربة من العصا.
والنبي عليه الصلاة والسلام في عدة مرات يقل عليهم الماء ويؤتى صلى الله عليه وسلم بمخضب -إناء صغير- فيه ماء، ويضع فيه كفه ويدعو الله بما شاء، فإذا الماء ينبع من بين أصابعه، فيتوضئون ويشربون ويرتوون.
ونتساءل أيهما أقرب إلى طبيعة الأشياء: انبجاس الماء من حجر وهو جزء من أجزاء الأرض التي تختزن الماء في جوفها، أو نبع الماء من بين دم ولحم؟ وأيهما أدخل في الإعجاز؟

الجواب
الذي من بين الأصابع، لأن الحجر يمكن أن تضعه في الأرض ويمتد له الماء من الأرض، والحجر من طبيعته أن ينبت الماء،ولكن أن يخرج الماء من بين الأصابع ويسقي الناس هذا عجيب!.
عيسى عليه السلام يبرئ الأكمه ويحيي الموتى بإذن الله، وكم من مريض شفاه الله على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، و علي بن أبي طالب حينما كان أرمد يوم خيبر، وجيء به يقاد بين اثنين؛ فيتفل في عينه صلى الله عليه وسلم فلا يرى رمداً بعد ذلك، و أبو قتادة الأنصاري سالت عينه على خده في أحد، وردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أحسن العينين إبصاراً.
إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالمعجزات، وفي كل قومٍ يؤتى لهم بما يناسبهم.
جاء أعرابي وسلم وكانوا يتعشون، فجلس وقال: ( يا محمد! من يشهد أنك رسول الله؟ قال: القصعة التي تأكل منها، فرفعها فإذا بها تقول: محمد رسول الله، فقال الذي بجواره: أسمعنيها يا رسول الله؟ قال: أسمعه، فلما طلب الثالث قال: ضعها في الأرض ) ، ولم يتركها تتجول بين الناس؛ لأنها أمور خارقة للعادة.

معجزة القرآن الخالدة
أعظم معجزة لرسول الله التي هي لها صفة الدوام والبقاء، والتي لها الإعجاز الأكبر: القرآن الكريم؛ لأن كل معجزة نبي كانت مؤقتة بوقته وبزمنه، فعصا موسى انقضت بموسى، إحياء الموتى لعيسى انقضى بعيسى، وآية إبراهيم: { كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } [الأنبياء:69]، وآية نوح ومجيء الطوفان انتهى أمرها وقضي الأمر واستوت على الجودي.
إذاً: كل معجزة لنبيٍ إنما كانت مرتبطة بشخصه وبزمنه؛ إلا معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي الباقية، وهي التي تحدى الله بها العقول، وليست خوارق للعادات، وإذا كان الأمر يتحدى العقول فإن العقلاء يقفون عند حد، أما إذا كان فوق العقول وفوق القدرات فإن الإنسان يقف منه موقف من يشعر بالعجز؛ لعجز الطاقة عن ذلك، فلا يستطيع البشر أن يأتي بحية من عصا، لكن هذا خارق فوق العادة ملموس.
أما القرآن فبلغتهم وبحروفهم وبكلامهم، وتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، كان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه يقول في أوائل سورة البقرة: أول نداء في المصحف الشريف: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا * وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [البقرة:21-22]، مَنْ الند الذي يمكن أن يخلق أرضاً فراشاً، مَنْ الند الذي يمكن أن يوجد سماءً بناء؟ مَنْ الند الذي يمكن أن ينزل من السماء ماء؟ مَنْ الند الذي يمكن أن ينبت من الأرض نباتاً رزقاً لكم؟ لا يوجد.
ثم بعد أن أقام الآيات البينات على وجود الخالق سبحانه، دعاهم إلى عبادته لأنه خالقهم، والمستحق للعبادة وحده، ثم جاء بإثبات الرسالة: { وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } [البقرة:23]، أي: في شك مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ } [البقرة:23]، أي: ائتوا بالإنس والجن يعاونونكم على هذا.
القرآن ليس غريباً عنكم هو: { ألم } [البقرة:1]، و: { كهيعص } [مريم:1]، و: { ص } [ص:1]، و: { ق } [ق:1]، و: { ن } [القلم:1]، و: { ألر } [يوسف:1]، هذه الحروف التي تعرفونها، والتي تؤلفون منها أشعاركم، والتي تتكلمون بها في خطبكم، والتي تتحادثون بها فيما بينكم، لم يأتكم بشيء غريب عنكم، ولكنه منزل من عند الله.
{ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا } [البقرة:24]، وهذا تحدٍ فوق التحدي، ائتوا بسورة من مثله، ثم يقول: وأنا أخبركم مقدماً أنكم لن تفعلوا.
ولم يفعلوا، ويبقى إعجاز في إعجاز وتحد في تحد.
إذاًَ: قامت البينة بأن ما أنزله الله على رسوله إنما هو وحيٌ من عند الله، وقامت البينة على أن القرآن الكريم هو وحيٌ من عند الله، وكان في ذلك إثبات لرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآمنا بأن محمد بن عبد الله هو رسولٌ من عند الله أرسله بكتابه.

معصية الرسول صلى الله عليه وسلم هي معصية لله تعالى
فقولنا: (وأشهد أن محمداً رسول الله): الرسول لا بد له من رسالة، وهذه هي رسالة الله إلى خلقه، جاء بها نبينا صلى الله عليه وسلم، وكان لزاماً علينا أن نلتزم بتلك الرسالة، فإذا عطلنا شيئاً منها كان ذلك عصياناً لله وليس لرسول الله فقط.
ويجب أن نعلم أن المعصية لله ورسوله قسمان: معصية غلبة النفس والهوى، ومعصية التعنت والعناد، وهذه عياذاً بالله قد تخرج من الملة؛ فمن جحد شيئاً مما جاء به رسول الله، أو استحل شيئاً مما حرمه رسول الله، أو حرم شيئاً مما أحله رسول الله، وقال: إنه حرام، لا أنه امتنع منه، فإنه كافر برسالة رسول الله من عند الله، وليس صادقاً في قوله: (محمد رسول الله ).
وإننا نعلم أن كلمة (نشهد) بدل أقر أو أعترف أو أخبر بأن، والله سبحانه وتعالى قد أخبر عن قوم فقال: { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [المنافقون:1]، قد قالوا: (نشهد إنك لرسول الله) فكيف يكونون كاذبين؟ لأنهم: { اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } [المنافقون:2]، فهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
ولهذا كان حديث: ( من قال: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة ) معنى الحديث: أن يقولها خالصة من قلبه، وأن يلتزم بمدلولها.
وإذا كان الإسلام كله أعمالاً ظاهرة تؤيد مدلول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فإن العلماء يبحثون بعد ذلك: فيمن ترك ركناً من أركان الإسلام هل يصدق عليه: أنه مسلم أم أنه نقض الشهادة بتركه الركن؟ يبحث العلماء في هذا بحثاً طويلاً، ويختلفون في الأركان الثلاثة: الصيام والزكاة والحج، والاختلاف أقل في الصلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في حقها: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ).
وقد بوّب الشوكاني في نيل الأوطار: باب من يرى الكفر في ترك الصلاة، وبعد ذلك جاء بالنصوص، وجاء بباب آخر هو: باب من لا يرى الكفر في ذلك، والأحاديث في هذا عديدة، يصعب علينا أن نمليها وأن نتكلم فيها، لأنها تقتضي الوقت كله.
إذاً: جبريل عليه السلام سأل عن الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم أجابه بالأركان الأساسية، وهي: الشهادتان، وإقام الصلاة، وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت بالشرط: إن استطعت لذلك سبيلاً.
هذا ما يتعلق بالإسلام، والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [3]

الكلام على الإيمان بالله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيه ومن والاه.
وبعد: فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ).
وقد تقدم الكلام على أول هذا الحديث من مجيء جبريل عليه السلام، وكيفية جلوسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وسؤاله: (أخبرني عن الإسلام؟)، وجوابه صلى الله عليه وسلم عن ذلك بأركان الإسلام الخمسة، وسيأتي زيادة بيان لهذا الجواب عن الأركان الخمسة، وعلاقتها مجموعة أو مفرقة في الحديث الثالث الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: ( بني الإسلام على خمس )، وليس ذلك تكراراً من النووي للحديثين.
بل يأتي التنبيه على نكتة مجيئه في موضعه.

معنى الإيمان لغة وشرعاً
وقول جبريل عليه السلام: (أخبرني عن الإيمان؟) هذا سؤال ثانٍ منه عليه السلام بعد أن سأل عن الإسلام وتلقى الجواب، فسأل ثانية عن الإيمان.
والإيمان لغة: التصديق، قال الله تعالى: { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } [يوسف:17] أي: مصدقٍ لنا.
وإذا كان الإيمان لغة: التصديق، فإن الإيمان في عرف الشرع واصطلاحه عند سلف الأمة إنما هو: اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح.
ويبحث علماء الكلام في مفهوم الإيمان شرعاً: هل العمل داخل ضمنه، أم أن العمل من لوازمه؟ وهل الإيمان يزيد وينقص، أو لا يقبل زيادة ولا نقصاناً؟ وسيأتي التنبيه عليه إن شاء الله.

علاقة الإسلام بالإيمان
وهنا يأتي

السؤال
كيف سأل جبريل عليه السلام السؤالين مرة عن الإسلام ومرة عن الإيمان؟ ومن هنا يبحث العلماء عن علاقة الإسلام بالإيمان، وعلاقة الإيمان بالإسلام، ويتفقون على أن الإيمان أخص من الإسلام، فكل مؤمن مسلم، وهل كل مسلم مؤمن؟ قالوا: لقد جاء القرآن الكريم وفرّق بين مسمى الإسلام ومسمى الإيمان، قال الله تعالى: { قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } [الحجرات:14]، ومن هنا أطال العلماء البحث في هذه المسألة وقد أورد الإمام الطحاوي في كتابه ما يتعلق بهذا الحكم، وكذلك السفاريني في عقيدته، وكلهم يتفق: على أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان؛ يجتمعان إذا ذكر واحدٌ منهما، ويفترقان إذا ذكرا معاً.
فإذا قيل: أمة الإسلام بخير فيدخل المسلمون والمؤمنون، وإذا قيل: المؤمنون على خير، أي: والمسلمون، أما إذا ذكر معاً: فالإسلام خير والإيمان خير منه أو أخص منه، فلكل اسم ومسمى، ومثل ذلك لفظا (الفقير والمسكين) فإذا اجتمعا افترقا، أي: إذا ذكر الفقير والمسكين كان للفقير معناه وللمسكين معناه، وإذا ذكر واحدٌ منهما اشتمل على الثاني.
وعلى هذا: إذا أفرد الإسلام فقط، فإنه يتضمن ما تضمن معنى الإيمان، وإذا ذكر كل واحد مع الآخر، فكل واحدٍ له مسماه ودرجته، { فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [الذاريات:35-36].
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [الحجرات:10]، والمسلمون كذلك.
ومثل هذا: (المسلمون والمسلمات بعضهم أولى ببعض)، والمؤمنون من باب أولى أن يكون بعضهم أولى ببعض.
ومثال اجتماع لفظ الفقير والمسكين قوله تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } [التوبة:60] الآية.
إذا تبين لنا هذا؛ فما مدلول معنى الإيمان الذي أجاب به رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في سؤاله؟

أدلة الإيمان بالله
إذا كان الإيمان لغة: التصديق، وشرعاً: ما أجاب به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لم يخرج عن المعنى اللغوي ولكن أضاف إليه جزئية: (أن تؤمن بالله)، ومعنى تؤمن هنا: تصدق وتعتقد وتلتزم.
ومعنى الإيمان بالله: التصديق بالله، وعلى أي شيء تصدق؟ هل على مجرد وجود الله؟ فإن الكفار والمشركين كانوا يؤمنون بذلك، والله سبحانه قد أقام الأدلة العقلية على وجوده، وجاءت النصوص النقلية بوجود الله سبحانه وتعالى.
كما جاء عدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ( كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، فقال: من الذي لرغبتك ورهبتك وحاجتك؟ قال: الذي في السماء ) .
فمع وجود آلهة ستة في الأرض فهو يؤمن بالله، ولكن على المشاركة، وإيمانه بالله خاصٌ عند الشدة، كما قال الله عن المشركين إذا جاءتهم شدة: { دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [العنكبوت:65]، والإيمان بإله معبود أمرٌ من ضروريات البشر، ولذا لا تجد فرداً من بني آدم إلا ويؤمن بمألوهٍ عنده، سواء كان ذلك المألوه حقاً أو باطلاً، لماذا؟ لو نظرت إلى وجود الإنسان من حيث هو كما بين الله: { وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا } [النساء:28]، فهو ضعيف أمام قوى الطبيعة أو الكائنات أو الموجودات كما هو مشاهد، فهو يرى الجبال الشامخة، والسماء المرفوعة المسموكة، ويرى الأرض المبسوطة والمحيطات المتلاطمة كلها كائنات لم يخلقها ولم يعلم كنهها فيتساءل: ما الموجد لهذه القوى العظيمة؟ لابد في النهاية أن يرجع فكره إلى موجد لها: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ } [الطور:35-36] فهم لم يخلقوا من غير شيء، ولم يخلقوا أنفسهم.
إذاً: لم يبق إلا أن لهم خالقاً هو الله.
{ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ } [الطور:36]، لم يخلقوها ولم يدّعوا ذلك، إذاً: خالقها هو الله، فإذا كان العبد على توفيق من الله؛ كان مألوهه هو الله رب العالمين، وإذا حرم السعادة -عياذاً بالله- اتخذ له إلهاً على ما يزعم بأن يكون هذا المألوه عنده يحفظه من تلك القوى التي لا يقدر عليها، بأن يجلب له الخير أو يدفع عنه الضر، ولذا فالمولى سبحانه لما عاب على المشركين عبادتهم لأصنامهم، عاب عليهم بأنهم يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم، ولا يسمعونهم إذ يدعون.
ومن ناحية أخرى: حينما ينام الإنسان ويرى في منامه الأشياء الكثيرة، ويرى عوالم أخرى لا يدرك كنهها، فإنه يتطلع إلى وجود عوالم أخرى فيتساءل: أين تلك العوالم ومن أوجدها؟ ثم يذهب في نهاية الأمر إلى وجود موجد لها، والله سبحانه خلق في العبد عقلاً، وأمره أن ينظر في ملكوت السماوات، وأن يسير في الأرض وينظر في آيات الله الكونية ويتدبر فيها، ثم أرسل إليه رسلاً وأنزل إليه كتباً، وأعلمته الرسل بصدق دعواها الرسالة بما أثبت لها الله من آيات ومعجزات.
والمسلم قد التزم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، وجاءه الرسول صلى الله عليه وسلم بالكتاب الذي فيه آيات القرآن الكريم فيما يتعلق بحقوق الله سبحانه، فالإنسان من حيث هو لابد أن يجعل له مألوهاً يجلب له الخير لعجزه، ويدفع عنه الضر لضعفه، فإن وفقه الله واتبع رسله، كان مألوهه هو الله سبحانه وتعالى.
إذاً: الإيمان بإلهٍ ضروري، ولذا تجد من الوثنين والصابئة من عبدة النجوم والكواكب والأحجار من يعتقد أن في ذلك جلب نفع إليه أو دفع ضرٍ عنه، حتى قال المانوية: إله الخير وإله الشر، وكل ذلك ضلال عقلي، والعقل السليم والفطرة السليمة تهتدي بفطرتها إلى الله، قال الحكيم الجاهلي: في الذَّاهبين الأَوَّلينَ من القُرون لنا بصائرْ لمَّا رأيْتُ موارداً للموت ليس لها مَصادِرْ أيقنْتُ أنِّي لا مَحالةَ حيثُ صار القومُ صائرْ وهذا الذي وقف في سوق عكاظ، وقال: سماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا تدل على العليم الخبير؟ فنظر في هذه العوالم الكونية حوله فعلم بأن لها موجداً، وأسلم لصاحب هذه الآيات الكونية، وكما أشرنا في قول القائل سابقاً: وأسلمتُ وجهي لمن أسملتْ له المُزْن تحمِل عَذْبّاً زُلاَلا إذا هي سيقت إلى بلدةٍ أطاعت فصبت عليها سِجالا وأسلمتُ وجهِي لمن أسلمتْ له الأرض تَحمِل صَخْراً ثِقَالا وهذه الفطرة حينما ينظر بها العقل السليم، يعلم بأن هذا الكون الفسيح لابد له من صانع.

إلزام الفلاسفة بوجود الخالق
يقول علماء الكلام في إلزام الخصم عقلاً، كما يذكرون عن أبي حنيفة رحمه الله، ولم أدر عن صحة هذه الرواية ولكن فيها معقولية، فقد كان من الفلاسفة من يمنع وجود الله ويقول: لم نر ولم نسمع، ومثل هؤلاء العلمانيون الذين لا يؤمنون إلا بالمشاهد للملموس.
فالفلاسفة طلبوا من الخليفة أن يعقد لهم مجلساً مع أبي حنيفة يناظرهم في إثبات وجود الله على أي وجه.
يقولون في القصة -وقد تكون مختلقة أو منظمة لإثبات هذه القاعدة-: فأعطى الموعد، وانعقد المجلس فلم يأتهم، وتأخر عليهم ساعات عديدة ثم جاءهم، قالوا: كيف تكون إماماً وتخلف الوعد وفيه ما فيه ؟ قال: مهلاً! لقد حرصت على المجيء في الموعد، ولكن بيني وبينكم البحر -أظن أهل بغداد يعرفون الأعظمية مقابل دار الخلافة- ولما تأخرت المركب مر رجلٌ يحمل حطباً فناديته وأخذت منه الحطب وأخذت ألقيه خشبة بعد خشبة، ثم جاء رجل حداد ومعه مسامير، فأخذت المسامير وألقيت واحداً بعد واحد إلى أن التأمت تلك الأخشاب مع تلك المسامير وصار مركباً فركبت وعبرت وجئتكم.
فقالوا: أنت بعقلك اليوم؟ قال: وما بي؟ قالوا: هل من المعقول أن تلقي بالأخشاب في الماء، ثم تلقي بالمسامير، فيتألف الخشب مع المسامير فيصير مركباً تركب عليه وتعبر دونما صانع يصنعه، قال: واعجباً لكم! تستبعدون تركيب سفينة بدون نجار يصنعها، ولا تؤمنون بوجود خالق لهذا الكون العظيم، أي: تقولون: السفينة الصغيرة هذه لابد لها من صانع، وتنكرون صانع هذا العالم بكبره، هل يمكن لهذا العالم أن يوجد بدون موجد.
فانتهى المجلس بهذا.
ولذا المولى سبحانه أقام الأدلة العقلية على وجوده سبحانه، وهي ضرورة، وهذا يسميه علماء الكلام: دليل الإلزام، ومن ذلك: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } [الطور:35].
يقول علماء الأصول: بالسبر والتقسيم لكل الاحتمالات العقلية في وجودنا وجدنا أنه لا يخلو الأمر من هذه الأقسام التي سماها الله: هل خلقنا من غير خالق، ومن غير مادة أساسية نخلق منها، بل جئنا هكذا من العدم.
أو نكون نحن خلقنا أنفسنا! العقل يقول: إن قلنا: إننا خلقنا من غير شيء فهذا لا يتأتى؛ لأن ما كان من غير شيء فهو عدم، والعدم لا يعطي وجوداً؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالملح لا يحل محل السكر.
إذاً بقي الاحتمال الثاني: هل أنتم خلقتم أنفسكم؟ ولو قال قائلٌ: نعم.
أنا خلقت نفسي؛ لقيل له: قبل أن تخلق نفسك، أين كنت: في العدم أو لا؟ ومن الذين أبرزك من العدم وصرت في الوجود حتى تخلق نفسك؟! إذاً: لا يمكن أن يدعيها إنسان.
في أول سورة البقرة قال الله: { الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } [البقرة:21]، أنتم الآن وجدتم، فهل تدعون أنكم خلقتكم آباءكم وأجدادكم الأولين؟ بل هم خلقوا قبل أن توجدوا أنتم في الحياة؛ فلا يمكن للإنسان أن يدعي أنه خلق من كان قبله، فإذا لم يكن البشر خلق من لا شيء، ولم يكن البشر خلق نفسه، فلابد له من خالق، وهو الله سبحانه وتعالى.

معنى قولنا: إن الله واجب الوجود
إن الله سبحانه وتعالى واجب الوجود وليس جائز الوجود.
ومعنى (واجب): أن وجود الله سبحانه لم يسبق بعدم، بخلاف جائز الوجود، مثلاً: أنت الآن لم تتزوج، ثم تزوجت ولكن لم تنجب ولداً، فولدك الذي في الغيب جائز الوجود وليس بواجب، بمعنى: أنه يجوز أن يولد لك ولد ويجوز أن لا يوجد لك ولد، فالأمر مستوي الطرفين: { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً } [الشورى:49-50]، فالولد الذي لم يولد بعد جائز الوجود وجائز العدم، فإذا ما وجد بعد العدم، فننظر: من الذي رجح أحد الطرفين المتساويين؟ أي: إذا كان الوجود والعدم متساويين بالنسبة لمن لم يولد، فمن رجح جانب الوجود على العدم، وجاء به إلى الحياة؟ إذاً: كل موجودٍ لابد له من موجد إلا المولى؛ لأن وجود المولى واجبٌ، لو قلنا: إن الله سبحانه وجد بعد أن لم يكن؛ فمن الذي أوجده سبحانه وتعالى؟! وإذا قيل إن هناك من أوجده فإن الذي أوجده أحق منه بالألوهية، فهو الإله؛ فلم يسبق وجود الله عدم؛ فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والقديم الذي لم يسبقه عدم.
{ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } [الحديد:3].
فالإيمان بالله بمقتضى نصوص الكتب السماوية وبمقتضى النظرة العقلية أمرٌ ضروري، ولذا كان كل من ينفي وجود الله فهو مكابر، كما قال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ } [النمل:14]، { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [الزمر:3]، فكل البشر مقرون بوجود الله، ومن ينفي ذلك فهو مكابر.
وكما قال: المانوية الذين يقولون بإلهين اثنين: إله الخير وإله الشر، النور والظلمة، يقولون: النور أقوى من الظلمة؛ لأن النور إذا جاء انعدم الظلام، فهو أقوى منه، فرجعوا في النهاية إلى إله واحد، لكن لم يهتدوا إلى حقيقة من هو.
والكلام في هذا الموقف طويلٌ عريض، يدعو إلى الكلام عن صفات الله، والكلام في أسماء الله وفي أفعال الله، وكل ذلك مكانه كتب العقائد، وهي مسطرة وموضحة بحمد لله، ولكن الذي يهمنا في هذا الحديث في بيان الإيمان أولاً وقبل كل شيء: أن تؤمن بالله.
وقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالله؛ لأن منطلق كل إيمان ومنطلق كل عمل يرجع إلى هذا المبدأ؛ لأنك إذا آمنت بالله آمنت بأنه موجود، وأنه فعال لما يريد، وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب، وشرع وأمر ونهى، وأعد جنة وناراً إلى آخره.
فالمؤمن بالله أول خطواته إيمانٌ بكل لوازم الإيمان بالله، وهو كل ما جاء عن الله وأخبر به رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ولعلكم تجدون بعض الشراح لهذا الكتاب أو لهذا الحديث يذكرون وجود تكرار، وهل هناك إعادة بذكر الخبر بلفظ المبتدأ؟ ( أخبرني عن الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن ) ، أنا أسألك عن الإيمان، وأنت قلت: الإيمان أن تؤمن، كأنه يقول: فيه الدور والتسلسل؛ وليس بصحيح.
جبريل عليه السلام سأل عن الإيمان الذي يجب على الإنسان أن يصدقه ويعتقده العبد، فأجابه صلى الله عليه وسلم بمجموع المسميات في هذا الجواب، فكأنه يقول: هذه الخصال هي الإيمان الذي تسأل عنه.

الإيمان بالله وصفاته
الواجب في هذا المقام الإيمان بوجوده وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وكل ما سمى الله به نفسه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله وكل ما أخبر الله به عن نفسه من فعل أو أخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم وجب الإيمان به.
على المبدأ الأساسي: نؤمن بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله في صفات الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والقاعدة الأساسية لهذا الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ هي قوله سبحانه وتعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [الشورى:11]، فنفى عن نفسه سبحانه المثلية، وأثبت لنفسه سبحانه أنه السميع البصير، فإذا أردت أن تثبت سمعاً أو بصراً، فلا يخطر ببالك ولا بخاطرك ولا بفكرك أي سمع وأي بصر على أي مثال كان؛ لأنه (ليس كمثله شيء)، فهو كما قال الشافعي رحمه الله: نحن مكلفون بإيمان تصديق وإثبات، لا إيمان تكييف وتمثيل.
ومن هنا: كان السلف يثبتون لله صفاته دون تشبيه، وينفون عنه النقائص دون تعطيل، فهو إيمان بلا تكييف ولا تمثيل، ونفي بلا تعطيل.
وعلى هذا قامت عقيدة السلف في الله سبحانه وفي أسمائه وصفاته، أما الذين قالوا: إذا أثبتنا سمعاً أثبتنا الأذن، وإذا أثبتنا بصراً أثبتنا عيناً؛ فالذي أوقعهم في هذا أنهم يقيسون صفات الله على صفات المخلوق.
والمولى لطفاً بعباده قدّم لهم القاعدة الأساسية: (ليس كمثله شيء)، وذات المولى لا تشبه الذوات، والعقل لا يستطيع أن يتصور كنه ذات الله، إذ لما سألوا الرسول: أخبرنا عن الله، أهو من كذا أو من كذا؟ أقريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فجاء الجواب عن الأولى، وهو السؤال عن الذات: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [الإخلاص:1-4]، سألوه عن الذات فأجابهم بذكر الصفات؛ لأن الذات فوق العقل والإدراك، ولهذا فرعون لما سأل موسى: { وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء:23]؟ (وما) عند المناطقة يسأل بها عن الماهية، يقال: ما الإنسان؟ و

الجواب
حيوان ناطق، ما التمر؟ تمرة النخل، فلما سأل فرعون بـ (ما) التي للماهية، والماهية بالنسبة لله لا تشرح ولا تدرك، بل يعرف رب العالمين بصفاته وأفعاله، فأجاب موسى عليه السلام: { قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ } [الشعراء:24].
ثم قال: بل رسولكم مجنون؛ لأنني أسأله بـ(ما) التي لشرح الماهية فيذهب يجيب لي بصفاته.
وهل أنت يا مسكين تستطيع أن تدرك حقيقة الله، إبراهيم عليه السلام لما سأله النمرود عن ربه، قال: { قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ } [البقرة:258] فوجده أبله، قال: على مهلك فإن ربي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب؟ { قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ } [البقرة:258]، يحاجه في صفات الله وأفعاله، فبهت الذي كفر.
ولهذا لما سألوا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ قال: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [البقرة:186].
وكذلك عندما قالوا: انعت لنا ربك من أي شيء هو؟ فقد كان لهم آلهة من حجر ومدر وذهب إلى آخره، فيريدون من النبي أن يبين ما ربه، فنزلت { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص:1]، أحدٌ في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وعبوديته، فنعبده وحده: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة:5].
قالوا: أحدٌ بخلاف واحد؛ لأن الواحد مقابل الاثنين والثلاثة، أما أحد فلا نظير له، تقول: جاء رجلٌ واحد، وفي الدار رجلٌ واحد، أي: ليس اثنين، ما في الدار إلا رجلٌُ واحد، فتنفي أن يوجد اثنان من جنسه، لكن: ما في الدار أحدٌ، تنفي الوجود بالكلية.
إذاً: أنت تؤمن بالله، وبوحدانيته سبحانه وتعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [4]

الإيمان بالملائكة
قال صلى الله عليه وسلم: ( وملائكته ) .
يقولون: أصل الملك مألك، والمألك أو الألوكة الرسالة، والملائكة هم رسل الله إلى الخلق، وحقيقة الملائكة -أقصى ما نعرفه عنهم-: عبادٌ مكرمون، وهم عالمٌ نوراني خلق من النور، ويتفق أهل السنة على أن الملائكة ليسوا كالبشر، ولذا لا يقال فيهم: إنهم حيوان ناطق كالإنسان؛ لأن الإنسان حساس نامٍ، أي: يبدأ من الصغر ثم ينمو ويكبر، والملك ليس يحتاج إلى نمو، وإنما يخلق على ما هو عليه.
ولهذا لا طاقة للعقل في إدراك كنه الملك، وقد جاءت أحاديث توقف العقل عند حده.

طوائف الملائكة وأعمالهم
جاء في أمر جبريل عليه السلام، لما طلب منه رسول الله أن يريه ذاته على طبيعته، أنه ظهر له وقد سد الأفق كله، وفي الصحيح: ( ما من موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد أو راكع يذكر الله ).
ويتفق علماء السنة أيضاً بأن الله جعلهم طوائف، ولذا: التاء في: (ملائكته) ليست للتأنيث ولكنها للطوائف المتعددة، فهناك ملك الوحي جبريل عليه السلام، وهناك ميكائيل الموكل بالأرزاق وما ينزل من السماء إلى الأرض، وهناك عزرائيل الموكل بقبض الأرواح ومعه أعوانه وجنوده، وهناك ملك الجبال ومن يساعده، وهناك ملائكة في البحار، وملائكة موكلة بالأرحام كما جاء في الحديث: ( إن الله موكلٌ بالرحم ملكاً )، فإذا جاءت النطفة أخذها وسأل ربه: مخلقةٌ أو غير مخلقة، ما أجله وما رزقه؟ وشقي أم سعيد؟ وهكذا ملائكة يتعاقبون فينا بالليل وملائكة بالنهار: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } [الرعد:11].
وكما يقول العلماء: مع كل إنسان أربعة من الملائكة، أحدهم عن أمامه، والآخر عن يساره حفظة له، وهناك ملائكة يكتبون عليه أعماله: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وكذلك ملائكة موكلون بالسؤال في القبر وهما منكرٌ ونكير، وإن كان ابن رجب أو غيره ينفي هذه التسمية ويقول: (عبادٌ مكرمون)، (كرام كاتبون) فهم كرامٌ وليسوا مناكير.
قالوا: منكر ونكير، أي: ليسوا على خِلقة الملائكة ولا على خلقة البشر، بل لهم شكل خاص، وبعضهم يقول: ملائكة المؤمن مبشر وبشير، وملائكة غير المؤمن منكر ونكير.
إذاً: الملائكة طوائف لا يحصيها إلا الله.
فهناك من وكل بأعمال العباد، وهناك من خلق لعبادة الله وحده، كما جاء في الحديث ( البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة )، وهناك من الملائكة من قد يرسل من الله بشيء خاص، كما جاء في صحيح مسلم: ( بأن جبريل عليه السلام كان جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ سمع صوتاً فرفع رأسه إلى السماء، وقال: هذا باب في السماء فتح اليوم لم يفتح قبل اليوم قط، ثم قال: هذا ملك نزل من السماء إلى الأرض لم ينزل إلى الأرض قبلها قط، ثم جاء وقال: السلام عليكم يا محمد! أهديك نورين، وذكر له الفاتحة وخواتيم سورة البقرة )، وجاء في الأحاديث الأخرى تأتي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتي الفاتحة وسورة البقرة ليلة الإسراء والمعراج من كنز تحت العرش.
وفي غزوة بدر لما كان صلى الله عليه وسلم يرتب المسلمين ويصفهم عندما نزلوا أول منزل، فجاء الحباب بن المنذر وقال: يا رسول الله! أمنزلٌ أنزلكه الله فلا قول لأحد، أم هي الحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والمكيدة، قال: فإن الرأي عندي أن نتقدم إلى آخر بئر ونبني لنا حوضاً نملؤه ماء، ونغور بقية الآبار.
وإذ هو في هذه الحالة فإذا بملكٌ نزل وجبريل مع رسول الله في أرض المعركة، فقال: يا محمد! إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: الرأي ما قال الحباب ، فنظر رسول الله إلى جبريل وقال: أتعرف هذا يا جبريل؟ فقال جبريل: ما كل ملائكة السماء يعرفها جبريل، { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ } [المدثر:31].
فقال جبريل: ما كل ملائكة السماء يعرفها جبريل، ولكن ظاهر عليه أنه ملك وليس شيطاناً، فالجنس يعرف جنسه، وانتقل صلى الله عليه وسلم إلى حيث أشار الحباب ، ويهمنا أن ملكاً نزل بهذا.
وفي عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف لما اشتد أمر المشركين على رسول الله، قال جبريل: يا محمد! هذا ملك الجبال، إن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين فعل هذا، وهكذا السحاب له ملك يسوقه، وهكذا العالم كله بتدبير الله على ما يلقي من الأوامر على الملائكة.

وجوب الإيمان بعالم الملائكة الغيبي ودليله
نحن إن لم نشاهد الملائكة فإننا آمنا بالله الذي أرسل رسوله وأنزل كتابه، وآمنا برسول الله الذي بلغنا عن الله وأخبرنا بوجود الملائكة، هل نقول: لا نؤمن بها لأننا لم نرها؟ لا والله، بل من لطف الله بالأمة أن يري بعض أفراد الأمة بعض آحاد الملائكة، وهذا ما أشرنا إليه عند قضية ابن عباس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لما جاء العباس يستأذن على رسول الله ولم يأذن له وهو يراه بعينه داخل البيت، فرجع مغضباً، فقال له ابنه: لعله مشغول بالرجل الذي عنده، قال: وهل عنده أحد؟ قال عنده رجل: فرجع، ولما رجع كان الرجل قد ذهب، فقال: يا رسول الله! جئتك أستأذن عليك ثلاثاً فلم تأذن لي، ويقول هذا الغلام: إنك كنت مشغولاً برجل عندك، فقال صلى الله عليه وسلم للغلام: ( هل رأيته يا غلام، قال: بلى رأيته، قال: هذا جبريل ذهب عني آنفاً ).
وجاء في صورة دحية الكلبي .
وكذلك قضية الرجل من الأنصار: خرجت مع أهلي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقاوم رجلاً، فجلست وظننت أن له حاجة، ثم صرت أرثي لطول قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذهب الرجل جئت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته، قال: ( هل رأيت الرجل؟ قال: قلت: نعم، قال: تدري من هو؟ هذا جبريل، ولو سلمت عليه لرد عليك السلام، وما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ).
و خديجة رضي الله تعالى عنها لما غاب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهراً، وكان من عادته أن يذهب هو و علي رضي الله تعالى عنه في أي مكان من الأمكنة يعبدان ربهما، فلما غاب عنها قامت تطلبه، وخافت عليه من قريش، وأخذت غداءه معها، فلقيها جبريل في صورة رجل، قال: إلى أين أنت ذاهبة يا خديجة ؟ قالت: ذاهبة إلى محمد، قال: وأين محمد؟ قالت: لا أدري.
فلما وجدت رسول الله وجاء إلى البيت جاء جبريل وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: ( أقرئها من الله السلام، وأن الله يبشرها بقصرٍ في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، يرى ظاهره من باطنه )، إلى آخر الحديث، وهذه خديجة ترى جبريل في صورة رجل.
وكذلك الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، ثم أتم المائة بالعابد، وخرج تائباً إلى القرية التي يعبد الله فيها، فمات في وسط الطريق فأتته ملائكة العذاب وملائكة الرحمة يختصمون فيه، فيرسل الله إليهم ملكاً في سورة رجل فيحتكمون إليه.
وكذلك الرجل الذي خرج يزور أخاه في الله في قرية، فأرسل الله إليه ملكاً على صورة إنسان، وقال: أين تذهب؟ قال: أزور أخاً لي في الله.
قال: هل بينك وبينه قرابة أو شراكة في تجارة؟ قال: لا، قال: أحبك الله الذي أحببته فيه.
إلى غير ذلك من الصور التي هي من آحاد رؤية بعض البشر لبعض الملائكة.
إذاً: على بقية أفراد البشر أن يؤمنوا ببقية أفراد الملائكة، وقد جاءت النصوص في عمومها تشمل أركان الإيمان المذكورة، قال الله تعالى: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } [البقرة:285]، إلى غير ذلك، وهذا ما ينبغي على كل مسلم أن يؤمن به، أي: بأن لله ملائكة على أية حالة أو أي صفة كانوا.

مسألة المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر
هناك قضية قد يخوض فيها بعض الناس وقد يكف عنها البعض، ونحن نشير إليها لأنه ربما يتناولها طالب علم، وهي: أي الفريقين أفضل من الآخر البشر أم الملائكة؟ وهل هناك مفاضلة بين الملائكة وبين بني البشر، أم ليست هناك مفاضلة؟ خير ما تقرأ في ذلك أيضاً: شرح العقيدة الطحاوية، فقد ذكر كلام الفريقين، وذكر بعض كلام العلماء في الإعراض عنها؛ لأنها لا يترتب عليها حكمٌ فقهي، ولأننا لسنا مسئولين عنها، ولكن إن عرض القول فيها فهناك من يقول: مؤمنو البشر وخواص المؤمنين والأنبياء خيرٌ من الملائكة، ويستدلون بأن الله لما خلق آدم ثم علمه الأسماء عرضهم على الملائكة، قال: { قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ } [البقرة:32-33] ثم قال: اسجدوا له، فلما خلق الله آدم بيده وأكرمه بالعلم، أمرهم بالسجود إليه.
ولكن أجاب عن ذلك الفريق الآخر: بأن يوسف عليه السلام حينما جاءه أبواه خروا له سجداً، وليس معنى ذلك أن يوسف أفضل من أبيه ومن سائر أهله، والسجود طاعة لله بأمر الله وهو امتثال لأمره، والسجود لا يقتضي الأفضلية؛ لأنه تكريم من الله لآدم وليوسف إلى أشياء عديدة في هذا الباب، ولكن كما أشرنا: لا حاجة إلى الخوض فيها، ولسنا مسئولين عنها، ولم يأت حديث صحيح صريح في هذا الباب، ومن أراد الاستزادة في هذا المبحث بالذات فليرجع إلى الطحاوية ففيه الكفاية.

علاقة الملائكة بالبشر
وكما أن الملائكة في الدنيا فهم كذلك في الآخرة، وقد بين الله سبحانه ارتباط مؤمني البشر بالملائكة كما في قوله سبحانه: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } [غافر:7] الآية، وهذا نوع من الملائكة.
كما أن بعض المفسرين كـ القرطبي يذكر عند قوله : { تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا } [القدر:4]، قال: نوع من الملائكة مراقب على عامة الملائكة، وهنا يدخلون في فلسفة: هل الملائكة تحاسب وتسأل أم لا؟ وبعضهم يقول: والروح هو جبريل عليه السلام ومنهم: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ } [الحاقة:17]، وهذا نوع من الأنواع زيادة في ذلك اليوم والله أعلم.
ونحن نؤمن بما أخبرنا الله تعالى به، وأخبرنا به رسوله صلى الله عليه وسلم: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } [غافر:7]، أي: يؤمنون بالله: { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } [غافر:7]، برابطة الإيمان: { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } [غافر:7]، فهؤلاء الملائكة يدعون للبشر، { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ } [غافر:8]، إلى آخر السياق.
وهناك أيضاً: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } [فصلت:30-31]، ولاية وصداقة، ونصرة وتأييد من الملائكة للمؤمنين في الدنيا، وقد وجدنا ذلك فعلاً في غزوة بدر، حيث نزلت الملائكة وكانت تقاتل معهم.
ويوم القيامة: { يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } [الرعد:23-24]، فهؤلاء الملائكة أولياء للمؤمنين وتنزل عليهم في آخر لحظة، وهم طوائف عدة، ولا يعلم جنود ربك إلا هو، وعلى هذا: فالواجب على المسلم الإيمان بالملائكة على ما يريد الله من حقيقة ذاتياتهم.

الإيمان بالكتب
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وكتبه ) .
الكتب: جمع كتاب، وأصله الكتب والكتابة يقولون: الخياطة، والكِتبة الغربة في القربة أو نحوها، وقالوا: الكتابة مأخوذة من الخياطة؛ لأن الكتابة رصف حرف بجانب حرفٍ كما ترصف الغرزة بالإبرة بجوار الأخرى، ومنه: الكتيبة، أي: جمع الأفراد تحت لواء واحد.
ويقول العلماء: لقد أنزل الله سبحانه وتعالى مائة كتاب، ومائة وعشرين صحيفة، ستين لشيث، وثلاثين لإدريس، وثلاثين لإبراهيم، ويختلفون في عشر، وهل نوح نزل عليه صحف آدم نزلت عليه؟ نحن نؤمن بما أنزل الله سبحانه، فكل كتاب أنزله الله على رسله فنحن نؤمن به، ونؤمن بأن القرآن الكريم هو خاتم الكتب، وقد وعى كل ما سبقه من الكتب، وصار مهيمناً عليها.
وكما يتفق العلماء بأن جميع الكتب السماوية المعروفة: التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى، وما سبق ذلك من الصحف، كلها تضمنها القرآن الكريم، ونحن نؤمن بوجودها، ولا نعمل إلا بخاتمها وهو القرآن الكريم، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لـ عمر حينما جاء بصحيفة من التوراة يقرؤها مستحسناً ما فيها؛ فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: ( يا ابن الخطاب ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ والله لو جاء موسى ما وسعه إلا اتباعي ).
وبعض العلماء يزيد خطوة ويقول: كل الكتب المتقدمة حواها القرآن، وكل القرآن حوته الفاتحة، ولذا سميت أم الكتاب وأم القرآن، وقالوا في معنى ذلك: لأن جميع أبواب الفقه أو التشريع أو العلوم التي جاءت في القرآن أصولها موجودة في الفاتحة؛ لأن القرآن بكل مدلولاته إما بيان حق لله، وإما بيان للماضي، وإما بيان للمستقبل، وإما بيان لحق الخلق فيما بينهم ولم يبق شيءٌ بعد ذلك.
فمن بيان حق الله: الحمد والثناء على الله، والاعتراف بأنه رب العالمين، وبصفاته: { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } [الفاتحة:3] وبالمستقبل: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } [الفاتحة:4] ، وبحقه عليهم أيضاً { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة:5]، وبحق الخلق أيضاً: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } [الفاتحة:6] وتاريخ الماضي { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } [الفاتحة:7]، (صراط الذين أنعمتَ) في الماضي، (عليهم) من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
جاء في التوراة أن الله كتب الألواح لموسى، وجاء في غير ذلك: أن الله أنزلها، ويذكر ابن كثير في قوله تعالى في سورة القدر: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [القدر:1]، أن القرآن نزل ليلة أربعة عشر، ونزلت التوراة يوم ستة أو اثني عشر، وبين أن الكتب السماوية كلها أنزلها الله في رمضان: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } [البقرة:185].
وعلى هذا: فإن الإيمان بوجود الكتب المتقدمة، وإنزالها من عند الله هداية للبشر، وبياناً للصراط المستقيم، وبياناً لحق الله على الخلق، وفيما يصير عليه الخلائق فيما بينهم .
كل هذا من الواجبات.

الإيمان بالرسل
قال صلى الله عليه وسلم: ( ورسله ) .
الرسل: جمع رسول، ولا يحصي رسل الله في الناس إلا الله، قال تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } [غافر:78]، ولكنهم يتفقون على عدد معين، ويذكرون منهم أيضاً تمييزاً: أولي العزم من الرسل، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم.
والرسل هم من اصطفاهم الله من خلقه لخلقه، وهم بشر من البشر، لكن اصطفاهم الله وميزهم وطهرهم وأوجب لهم الطاعة بما أنزل عليهم.
وخاتم الرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى: { لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } [البقرة:285]، وهذا ردٌ على اليهود الذين لم يؤمنوا بعيسى ولا بمحمد، وردٌ على النصارى الذين لم يؤمنوا بموسى ولا يؤمنون بمحمد، والأمة الإسلامية تؤمن بجميع رسل الله، ومن جحد رسالة رسول واحد فكأنما جحد الرسالات كلها؛ لأن طريقها واحد.
ولذا نجد الإسلام يقر شهادة المسلم على الكافر، ولا يقر شهادة الكافر على المسلم؛ لأن المسلم يؤمن برسالات الأنبياء كلها التي يؤمن بها الكافر، وزيادة الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والكافر يقف عند حد رسوله موسى إن كان يهودياً، وعند حد عيسى إن كان نصرانياً، ولكن المسلم يؤمن بجميع رسل الله عليهم الصلاة و السلام.
وهنا يتفق العلماء على أننا مع أننا نؤمن بجميع الرسل؛ لكن ليس لنا اتباع أحد إلا خاتم المرسلين، ولهذا بين صلى الله عليه وسلم أن نبي الله عيسى إذا نزل في آخر الزمان يكون متبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [5]

الإيمان باليوم الآخر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ( واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره ) .

معنى قوله: (واليوم الآخر)
إن الكلام عن الإيمان باليوم الآخر لهو الكلام عن الإيمان بالدين كله، والإيمان باليوم الآخر لهو الإيمان بكل أحداثه ومجرياته وما يكون فيه.
واليوم: جزء من الزمن على ما يجري تقديره عندنا، ولكن اليوم الآخر على خلاف هذه الأيام؛ لأن اليوم في اللغة هو ما يعقبه الليل، وليس في يوم القيامة ليل ولا نهار بل هو يوم واحد، ولكنه ليس كأيام الدنيا.
(والآخِر والآخَر) يتغايران، (فالآخِر) مقابل الأول: (هو الأول والآخِر)، (والآخَر) بالفتح المغاير، تقول: جاء زيدٌ ورجل آخَر، وليس الآخَر هو الأخِير، ولكنه المغاير.
(والآخِر) هو النهاية، قيل سمي يوم القيامة يوم الآخِرة، واليوم الآخِر أي: بالنسبة إلى الأول وهو يوم الدنيا الذي بعده أيام؛ وذلك حينما كان العالم في العدم، فخلق الله الخلائق ثم أماتهم، فهذا يوم، ثم أحياهم في قبورهم للسؤال، وهذا يوم، ثم أماتهم إلى البعث، وذاك هو اليوم الآخِر.
وقيل الآخِر: يبدأ من ساعة خروج الروح إلى أن ينزل الناس منازلهم يوم القيامة: فهما داران لا دار للمرء سواهما؛ إما جنة وإما نار، نسأل الله السلامة والعافية.

أثر اليوم الآخر على أعمال المؤمن به
الإيمان بهذا اليوم يعتبر القاعدة والمنطلق بعد الإيمان بالله لكل عمل من البشر، فمن آمن باليوم الآخر عمل بمقتضاه؛ فعمل الخير رجاء الثواب، وتجنب الشر مخافة الحساب.
إذاً: الإيمان باليوم الآخر هو قاعدة المنطلق للتكاليف بعد الإيمان بالله ابتداءً واعترافاً بالمولى سبحانه رب العالمين، ثم بعد ذلك يؤمن باليوم الآخِر.
فإن من آمن باليوم الآخِر عمل بمقتضاه: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا } [الكهف:110] أي: لذلك اليوم، ولذا لو أخذنا أول ورقة في المصحف سورة الفاتحة يقول الله فيها: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } [الفاتحة:5-6] أي: نستقيم عليه حتى نلقاك، { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } [الفاتحة:7] ، { ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } [البقرة:1-2].
هذا الكتاب هو الهداية، والمتقون هم { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } [البقرة:3]، وأول إيمان بالغيب هو الإيمان بالبعث، والإيمان بالله ليس غيباً؛ لأنك ترى آيات القدرة الدالة على وجود الله في كل لحظة من لحظات حياتك ترى آيات إثبات وجود الله في شخصك ، في أكلك وشربك ونومك ويقظتك وتفكيرك، ونظرة عينك، وسماع أذنك، ونطق لسانك وتنفسك، وكل حركة أو سكون تجد قدرة الله فيها دالةً على وجوده.
لو نظرت في أي عالم من عوالم الكون لوجدت قدرة الله، لو نظرت في شروق الشمس وفي غروبها وفي انتظام هذه الأفلاك وفي إنبات النبات، لو نظرت في إنزال الماء وانشقاق الأرض وإحيائها بعد موتها وإنباتها وإيناعها بثمارها كيف تختلف تلك الثمار؛ تربة واحدة وتسقى بماء واحد ويختلف أكلها؛ يعجز إنسان أن يحيط ولو إجمالياً بآيات الله.
إذاً: الإيمان بالله ليس غيباً؛ لأن شواهد الحال قائمة عليه.
و(ملائكته): لقد شاهد بعض أفراد الإنس بعض أفراد الملائكة، والواحد من الجنس يكفي في الدلالة على عموم الجنس.
(وكتبه): لا يستطيع عاقل أن ينفي الكتب السماوية؛ لأنها توارت بها أخبار الأمم.
(ورسله): كل أمةٍ تشهد على من قبلها بإرسال الرسل، { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا } [النساء:41]، فكل أمةٍ تشهد على من قبلها أنها جاءها رسول، وهذه الأمة شاهدةٌ على جميع الأمم بأنها جاءتها رسل الله، وقد تحتج الأمم يوم القيامة، كيف تشهدون علينا وإنما جئتم بعدنا { وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا } [النساء:41].
فنقول لتلك الأمة: نعم جئنا بعدكم وعندنا أخباركم، جاءنا بها صادق مصدوق، إذاً: الإيمان بالرسل ليس محض غيبٍ، فعندنا أخبار متناقلة ومستندها الحس، فكل أمةٍ سمعت وشاهدت وعلمت.
أما اليوم الآخر فلا دليل ملموس محسوس عليه، ما قام يومٌ آخر قبل ذلك حتى يكون عندنا علم منه، ولهذا كان الإنكار فيه شديداً، ونفت كثير من الأمم أو الطوائف شيئاً يقال له: بعث أو حياة بعد موت.
وسيأتي ما جاء في كتاب الله من أدلة ملموسة على إمكان مجيء يوم البعث حقّاً لا شك فيه.

كل التكاليف منطلقها هو الإيمان باليوم الآخر
لو جئنا إلى أول الكتاب العزيز لوجدنا أن الإيمان بالبعث هو منطلق كل التكاليف: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة } [البقرة:2-3] وتبعاً لهذا { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [البقرة:3] يعني: يؤدون الزكاة تبعاً لهذا الإيمان، { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } [البقرة:4]، على ما أخبرتهم وعلموا أخبارهم كما فعل المشركون عندما جاءوا إلى اليهود وقالوا: أنتم أهل دين وكتاب أخبرونا بكذا وكذا، { وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } [البقرة:4]، يؤمنون بالغيب، يقيمون الصلاة، مما رزقناهم ينفقون، يؤمنون بما أنزل إليك، يؤمنون بما أنزل من قبلك، أما في الآخِرة فقال: يوقنون، لأن الإيمان بالله وملائكته والأمم الماضية والرسل المتقدمة؛ كل ذلك فيه شواهد، ولكن اليوم الآخر يحتاج إلى إيمان ويقين جازم { وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [البقرة:4-5].
يقول العلماء: هناك علم اليقين وهناك عين اليقين وهناك حق اليقين.
فالإيمان باليوم الآخر يجب أن يكون إيماناً حقيقياً، وهو حق اليقين، وعلم اليقين: العلم الذي لا يعتريك فيه شكٌ ولا تستطيع أن تدفعه، فتعلم يقيناً بأن الكل أكثر من الجزء، والجسم أكبر من الإصبع، وتعلم أنت وكل مسلم في العالم بأن قبلته هي الكعبة، ولا يشك مسلم في ذلك، ولو أراد أن يكذب نفسه ما استطاع، فإذا ما قدر له أن جاء إلى مكة وإلى المسجد الحرام، وأطل من باب المسجد ورأى الكعبة في وسطه، هل علمه بوجود الكعبة وهو في بلده يساوي علمه بوجود الكعبة وهو يعاينها أم زاد علمه؟ زاد علمه.
فإذا ما قرب من الكعبة وطاف بها ثم فتح له الباب ودخل إليها وأخذ يتردد في أرجائها، هل يكون علمه حين عاينها كعلمه حينما دخل في وسطها؟ لا.
فالأول: علم اليقين، والثاني: عين يقين، والثالث: حق اليقين، وهكذا الإيمان بالآخِرة يجب أن يكون واصلاً إلى اليقين الذي هو حق اليقين.
ولذا أنت تصلي وتحافظ على الصلوات، وتصوم وتتحمل الظمأ في شدة الحر، وتتحمل الرحلة إلى الحج، وتخرج من مالك الزكاة والصدقة موقناً بأن هناك يوماً يأتي تأخذ فيه جزاءك، وشهواتك ورغباتك تكف عنها، لماذا؟ لأنك توقن بأن هناك يوماً تأخذ فيه جزاءك أو تلقى عقابك، وهكذا جميع التكاليف أفعالاً وتروكاً منطلقها الإيمان باليوم الآخِر.

جدال المشركين في التوحيد والبعث
لقد كانت المعركة قوية، والنزاع شديداً، بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين في أمرين: كون الله إلهاً واحداً، وكون الناس يبعثون بعد الموت، ومكث صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة وهو يجاهد في هذين الأمرين، وقالوا: { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ص:5]، ويأتي رجلٌ بعظم بالٍ من سنين ماضية ويفتته بين يديه، ويقول: من يحيى هذه العظام التي قد صارت رميماً؟ ويأتي الجواب بمنتهى الهدوء والإقناع بيقين: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } [يس:78-79].
فالمشركون استعظموا الأمرين: كون الآلهة إلهاً واحداً وهم يؤمنون بآلهة متعددة، ومشكلتهم في التعدد، لو قال لهم: آلهة متعددة؛ واحد في السماء والبقية عندكم ما خالفوه، كما قال عدي حين سأله صلى الله عليه وسلم: ( كم إلهاً لك يا عدي ؟ قال: سبعة، قال: أين؟ قال: واحد في السماء وستة في الأرض! )، لو أن الرسول قال: الآلهة ثلاثة أربعة خمسة فلا مانع ولا نزاع، إذاً: هم يؤمنون بمبدأ التأله أو الألوهية، ولكنهم يعددون والرسول يدعوهم إلى التوحيد، فقال: ( من الذي لرغبتك ولشدتك، قال: الذي في السماء ).
إذاً: قضية الألوهية موجودة، لكن الخلاف في التعدد.
وقضية البعث هم يستبعدونها؛ ولذا نجد أن القرآن الكريم عُني بهذه القضية، وبإقامة الأدلة عليها بما لا يدع مجالا لشك قط ولو مع أنصاف العقلاء.
لا أقول: كاملي العقول بل أنصاف العقلاء، فإنهم لو تأملوا أدلة القرآن الكريم لما أنكروا يوم البعث، ولو أن الشيوعيين الذين لا يؤمنون بآلهة ولا بأديان ولا برسل ولا بكتب ولا ببعث نوقشوا بهدوء في وجود الله سبحانه وفي وجود البعث لما أنكروا.
الدهريون قالوا: { مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ } [الجاثية:24]، بطون تدفع وقبور تبلع، فهذه البطون التي تدفع من الذي يدفعها ومن أين جاءت؟! لو أعملوا عقولهم وتدبروا لوصلوا إلى نتيجة.

أدلة البعث والنشور
ما هي أدلة البعث وأدلة وجود الساعة التي سجلها القرآن الكريم ليتدبرها الخلق جميعاً؟ نجد القرآن الكريم في أوائل ندائه للناس ينادي باسم المسلمين أو المؤمنين؛ بل باسم الناس؛ لأن الإيمان باليوم الآخر من واجب الناس لا المسلم ولا المؤمن فقط، يقول سبحانه بعدما قسم الناس أمام دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن { ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } [البقرة:2]، وهم المؤمنون: { أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [البقرة:5].
والقسم الثاني الذين كفروا: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } [البقرة:6].
والقسم الثالث: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } [البقرة:8].
ثم جاء بعد هذا التقسيم الثلاثي واقع الناس أمام هذه الدعوة: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } [البقرة:21]، الناس: من ناس ينوس إذا تحرك أو صوت؛ لأن العالم لهم حركات على وجه الأرض: { اعْبُدُوا رَبَّكُمُ } [البقرة:21]، الرب الخالق، المصلح المدبر، المسيطر المسير، لكن فسره بما بعده: { اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ } [البقرة:21]، فهل ينفي إنسان بأن الله هو الذي خلقه، لقد ألزمهم الله بالقاعدة المتقدمة: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ } [الطور:35-36]، لو أنهم نظروا في مجيئهم إلى هذا الوجود، ولعلموا أنهم لم يخلقوا من عدم ولم يخلقوا أنفسهم، وأن لهم خالقاً وهو الله.
{ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:21]، أي تكونوا متقين مؤمنين، وتقدم أنهم { عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [البقرة:5]، وتقدم: { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } [البقرة:2]، وهنا قال: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:21].
{ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [البقرة:22]، عند هذه الآية الكريمة يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: أقام الله في هذه الآية ثلاثة أدلة على وجود البعث والجزاء والحياة بعد الموت، أما الأول فقوله: { اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ } [البقرة:21]، ففيه إثبات البعث حين يقيم المولى سبحانه الدليل للإنسان من نفس الإنسان، وأقوى دليل في ذلك آية (يس) التي أوردناها؛ لأن الإنسان إذا تذكر وجود نفسه، وكيف جاء إلى الحياة، عرف أن الذي أوجده أول مرة قادر على أن يعيد مجيئه، ولذا قال: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْييِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } [يس:78-79].
{ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ } [الواقعة:58]، جئت زوجك وجاء المني، وذهب في طريق ولا تعلم أين ذهب، ولكن { أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ } [الواقعة:59]، { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ } [يس:78]، فقد كنت ماءً مهيناً، { نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } [الإنسان:2]، أبوك من أين جاء؟ طريق طويل.
هناك أبونا آدم الشيخ الكبير، { خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً } [النساء:1].
نطفة جاءت، { قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } [يس:79]، تقول: إنه ذهب في التراب، تقول إنه تفتت، تقول: إنه كذا الله سبحانه بكل خلق عليم، وهو الذي خلقه أول مرة، فهو قادر على أن يعيده، وهو أهون عليه.
فلو أن الإنسان لم ينس إيجاده، وتذكر كيف جاء لما سأل هذا السؤال؛ فالذي خلقهم أول مرة قادر على أن يعيدهم { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [الروم:27]، فهذا دليل أول بأن الله سبحانه خلق الإنسان وأنه سيبعثه.
أما الدليل الثاني: { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } [البقرة:22]، فانظر إلى هذه العوالم سفلية وعلوية، وهذا الكون العظيم الذي خلقه الله وسيره ودبر أمره، فيما نشاهد في الأرض من محيطات تتلاطم وما فيها من عوالم لا يعلمها إلا الله، وهذه الأرض وما عليها من جبال رواسٍ وما ينتب فيها من نبات، وهذه السماء وما فيها من أفلاك وكواكب، وما فيها مما نشاهد، { لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ } [غافر:57].
والقادر على خلق الأكبر أهون عليه خلق الأصغر.
أما الدليل الثالث؛ فقوله تعالى: { وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ } [البقرة:22]، فالماء ينزل وتتلقاه الأرض، ثم ينبت النبات من الأرض وقد كانت ميتة، فهذا هو الدليل الثالث، ويوضحه قوله سبحانه: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [فصلت:39].
أرض هامدة يابسة، يأتيها الماء من السماء، فإذ بها تهتز -والفلاح يعرف هذا- وربما تسمع صوتاً للماء وهو يجري عليها أو وهي تتفتح لتلقي هذا الماء في باطنها، ثم إذا بها تنبت، وإذا بها تأتي بالثمار، وبالحبوب وبكل شيء، إن الذي أحياها من موتها لمحيي الموتى، ولو جئنا إلى عدد الموتى من آدم إلى يوم القيامة ما كان أكثر من عدد حبات النبات التي تنبت.
فهذا هو الدليل الثالث.
إذا جئنا إلى الدليل الرابع، وهو إحياء الموتى في الدنيا، ونعاين نماذج ذلك، ونأتي إلى صورة النبأ: { عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا } [النبأ:1-9].
فمن أدلة البعث: الحياة والموت في الدنيا، فهذا هو النبأ العظيم الذين يختلفون فيه، وجلّ المفسرين على أنه البعث.
{ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا } [النبأ:8] والأزواج الأصناف؛ فهل تستطيع قدرة في العالم أن تتحكم في الأزواج والأصناف؟ لا والله؛ فالمرأة تحمل تارة ذكراً وتارة أنثى، { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } [الشورى:49]، أما أنتم فما عندكم شيء.
{ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا } [النبأ:9-11]، ماذا { وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا } [النبأ:12]، أرضاً مهاداً وسبعاً شداداً، { وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا } [النبأ:13]، { وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا } [النبأ:14]، { لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا } [النبأ:15-17]، أليست هذه أدلة ألبعث؟ يوم الفصل هو يوم القيامة، لم تختلفون في النبأ العظيم وهذه أدلته؟ ثم نأتي إلى: { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا } [النبأ:9]، هذه الميتة الصغرى: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } [الزمر:42]، تنام وتغيب عن الوجود، لا تدري ولا تدرك أنها ميتة صغرى، أهل الكهف ناموا ثلاثمائة سنة وتسع سنين بالتوقيت الهجري، فلما استيقظوا قيل: كم لبثتم؟ { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } [الكهف:19] لم يعرفوا أنها ميتة صغرى، فأنت في كل يومٍ تشاهد آية البعث في نفسك؛ فإن الذي أخمد هذا الجسم والذي أنامه ثم بعد ذلك أرسله وبعثه هو الله، وما الفرق بين هذه النومة وبين تلك في القبر، وبين هذه اليقظة وبين تلك؟ الفرق بينهما: أن الجسم هنا لا زال على تركيبه، وما زال يتنفس ومقومات الحياة فيه، أما هناك فقد تفتتت أجزاؤه في الأرض، ولكن الله قادر على أن يجمعه.
وفي الحديث: أن رجلاً أوصى لأولاده إذا مات أن يحرقوه ثم يسحقوه، ثم يأتوا في يوم شديد الريح ويذروه على ساحل البحر لينتشر على أمواج المحيط، فجمع الله جسمه من ذرات مسحوقة، وأعاده وسأله: لم فعلت ذلك؟ قال: مخالفة منك يا رب، فقال: قد غفرت لك.

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [6]

أمثلة لإحياء الله الموتى في الدنيا
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإن الله سبحانه أوجد الحياة بعد الموت في الدنيا، وعلى أنواع وصور وأشكال وأزمان، وفي أجناس متغايرة مختلفة، من الإنسان ثم الحيوان ثم الطير، ثم الحوت، ثم الميت غير الطبيعي، وكل ذلك نماذج صارت في الحياة والناس يعاينونها وكما يقولون: نموذج، تجربة، مثال.
فإذا عاينا نموذجاً ومثالاً حكمنا على بقية الأفراد بمقتضى ذلك.

قتيل بني إسرائيل
قال الله سبحانه: { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا } [البقرة:72].
قتل قتيل في بني إسرائيل وتدافعوا في تعيين القاتل، فذهب القاتل بنفسه إلى موسى، وكان القتيل عمه قتله من أجل أن يتزوج ابنته ويأخذ ماله، فقال: عمي قُتل يا موسى، أريد أن تأخذ قاتله لتأخذ حقي، فتوجه موسى إلى ربه وناجى ربه، ثم قال: ائتوا ببقرة واذبحوها، فقاموا بتعنتهم وما كادوا يفعلون، فلما ذبحوها وفقدت الحياة.
{ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى } [البقرة:73]، فضربوه فأحياه الله، وسألوه عمن قتله، فقال: قتلني فلان، ثم اضطجع، فكهذا الإحياء لهذا القتيل الذي شاهدتموه وسمعتم منه بآذانكم، يحيي الله موتاكم، وهذا نموذج في شخص قتيل.
وهنا نبه العلماء: إذا كانت النتيجة إحياء هذا القتيل بضربه بجزءٍ من البقرة ولماذا يذبحونها ولا يبقونها على قيد الحياة؟ قالوا: لا، إنما ضرب ببعضها بعد أن صارت ميتة مثله، لأن الميت لا يهب حياة، فلو ضربوه وهي في حياتها لقيل: عملوا له توصيلة، مثل السيارة المعدومة البطارية توصل لها من السيارة الصالحة فتوصل البطارية العاطلة بها، ويعمل لها اشتراك وتيار يتوصل إليها وتشتغل السيارة، ولكن هنا جاءت الحياة من البقرة المذبوحة إلى القتيل فردت إليه الحياة والميت لا يعطي حياة.
إذاً: إذا حيي القتيل بعد ضربه ببعض من بقرة ميتة، فمن أين جاءته الحياة؟ من الله، وقد شاهدتم ذلك، فكذلك يحيى الله الموتى!

قصة موت العزير مائة سنة
مثال آخر: العزير عليه السلام حينما مر بالقرية، وقال: { أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } [البقرة:259] ؛ لأنها خاوية على عروشها، { فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } [البقرة:259] ، فوجد الحمار عظاماً بالية.
هو أول ما نشأت نفسه كيف جاء؟ لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يريه ذلك بنفسه، قال: { وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ } [البقرة:259] ، { وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا } [البقرة:259] أو ننشرها، ننشزها.
{ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } [البقرة:259]، طعام يمكث مائة عام لم يتغير، وطعام الشام فواكه، يأخذون من التين ومن العنب ونحوه، وليس هناك تحنيط وهو نائم، ولا هو محفوظ في ثلاجة! إنها قدرة الله سبحانه، فلما رأى الحمار قام والعظام تأتي تتشابك، فقال: { أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة:259]، فهذا إنسان أماته الله ومعه حماره، وليس الإنسان فقط بل والحيوان.

إحياء الله لأهل الكهف
قال تعالى: { إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا } [الكهف:10-11]، { كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ } [الكهف:19].
وقال تعالى: { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } [الكهف:25] ، ولكن في تلك النومة: { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ } [الكهف:18-19]، { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } [الكهف:21].
فلما أرسلوا أحدهم إلى المدينة ليشتري لهم طعاماً، وجد أهل المدينة عملة قديمة من أمم ماضية منذُ ثلاثمائة سنة، فسألوهم: أين كنتم؟ من أين هذه العملة؟ من أين جئتم؟ قالوا: كنا نائمين، وجئنا نأخذ طعاماً، قالوا: إن الدولة التي تحملون نقودها هذه لها مئات السنين.
فلما جاء الملك وجاء الناس إلى إخوانهم وعرفوا أن هؤلاء من تلك الأمم وبعثوا الآن ماتوا جميعاً، وعلم الأحياء قدرة الله على البعث؛ لأن الله الذي أحيا هؤلاء بعد النوم، وبعد اللبث في الكهف ثلاثمائة سنة، وجاءوا يمشون على الأرض يطلبون الطعام، فعلموا أن الله قادر على إحيائهم مرة أخرى، { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا } [الكهف:21].
وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم أو أكثر أو أقل، لكن هناك جماعات خرجوا من ديارهم { حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا } [البقرة:243]، فماتوا، { ثُمَّ أَحْيَاهُمْ } [البقرة:243].

إحياء الله لقوم موسى عليه السلام
موسى عليه السلام يختار من قومه جماعة ويطلبون من موسى: { أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ } [النساء:153] فيموتون.
فيرجع موسى إلى ربه، فيأمره بالرجوع إلى الناس ويقول موسى: رب لو شئت لأهلكتنا من قبل، وأهلكت الناس جميعاً، لكن هؤلاء تحملني جريمتهم عند الناس؛ فيرحمه الله سبحانه، ويحييهم له ويرجعون مع موسى عليه السلام.
فسواء كان فرداً أو قوماً أو ألوفاً، قتيلاً أو ميتاً ميتةً طبيعة، قد عادت الحياة إليه وهم يعاينون، وجاءنا القرآن يبين لنا ذلك، فوالله لكأننا نشاهد هذا عياناً.

إحياء الله الطيور لإبراهيم عليه السلام
نأتي بعد الإنسان والحيوان إلى الطيور.
إبراهيم عليه السلام لما سأل ربه، وقال: { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ } [البقرة:260]، أي: أما عندك اليقين بالبعث يا إبراهيم؟ قال: بلى عندي، ولكن ليطمئن قلبي ويصل إلى حقيقة اليقين وعين اليقين، لا مجرد الإخبار، فقال: خذ أربعة من الطير وليس طيراً واحداً؛ لأن العملية كبيرة، فيأخذ أربعة طيور، يقول بعض علماء التفسير: ديك وطاووس وغراب ونسر، وأشياء ذكروها في كتب التفسير، ويهمنا التنويع.
قال تعالى: { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا } [البقرة:260]، قالوا: إنه أخذ الطيور وقطعها أجزاءً ثمانية أجنحة، وأربعة رءوس وثمانية أرجل، فمزقها وخلطها حتى اختلطت الدماء بعضها ببعض، وأخذ جناحاً من هذا ورجلاً من ذاك ورأساً لهذا وذهب به إلى الجبل، وأخذ جناحاً من ذاك وتتمة من هذا ووزع الأجنحة والأرجل والرءوس المختلفة، رأس النسر مع جناح الغراب، وجناح الديك مع رأس الطاووس، ثم قال: تعال يا نسر، تعال يا طاووس.
لما قال: تعال يا طاووس، الطاووس عنده جناح هنا، وجناح هناك، ورجل هنا ورجل هناك، عندها كل جزء من أجزاء هذا الطائر الذي دعاه يأتي إليه ويتركب بعضه مع بعض ويتكامل ويقوم طائراً بجناحيه على ساقيه.
تلك الأجزاء الممزقة كيف جاءت وتلاءمت وعرف بعضها بعضاً؟ وإذا جاءت وعرف بعضها بعضاً، كيف التحمت؟ الآن أرقى ما وصل إليه الطب زرع الكلية أو القلب لإنسان موجود، لكن هذه الأجزاء زرع عضوٍ خارجي يتحرك بكل لوازمه، لكن إلى الآن ما وصلوا إلى ذلك الالتحام.
وهذه الدماء التي ذهبت في التراب، كيف توافرت وتميزت وهو سائل ممتزج؟ كيف انفصلت كرياته الحمراء والبيضاء؟! وهنا يقال: إبراهيم عليه السلام طلب الاطلاع على الكيفية، والكيفية هي سر الصنعة، فهل المولى سبحانه أطلع إبراهيم على كيفية مجيء الجناح وكيفية التحامه وكيفية الحيوية فيه، وأطلعهُ على سر الصنعة؟ لم يطلع على كنه الإحياء؛ لأن هذا خاص بالروح، والروح من أمر الله، ولا يقوى عقل بشر على أن يطلع على ذلك أو يستوعبه، فهذه طيور إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة السلام.

حوت موسى وإعادة الحياة إليه
نأتي إلى عالم البحار، فنجد حوت موسى عليه السلام، فإن موسى سأل ربه: هل هناك أحد أعلم مني؟ ليس هذا ادعاء العلم من موسى واستيعابه، ولكنه رغبةٌ في استزادة العلم، أي: إن كان هناك أحد أعلم مني أذهب إليه لأستزيد منه علماً، لا يظن أحد بأن موسى تطاول وادعى أنه أعلم الموجودين، ولكنه تطلع وتواضع من العالم في أن يطلب من هو أعلم منه ليستزيد من علماً.
فقال الله: نعم، عبدٌ من عباد الله اسمه الخضر، قال: أين مكانه؟ قال: مجمع البحرين، قال: وكيف أعرف مكانه؟ قال: خذ حوتاً يكون زاداً لك، ويكون موضع الحوت يخبرك عن مكانه، فخرج موسى عليه السلام مع فتاه، حتى إذا قال: { آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً } [الكهف:62-63].
في الآية الأولى: { فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا } [الكهف:61] السرب، والسراب: الشيء الممتد الذي تراه من لا شيء، و(سرباً في البحر) أي: اتخذ طريقاً ويشق طريقه في الماء كما لو جاء زورقاً ومشى بسرعة فإنه يترك وراءه سرباً في الماء -علامة- كي يكون سلوكه في الماء محسوساً ملموساً يشاهده الإنسان.
فهذا حوت كما يقول المفسرون: مشوي مملوح يحملونه لكي يتغدون به، قال الغلام: لا أدري عن الموضوع، ولا يدري عن السر الذي بين موسى وبين ربه، معه غلام رفيق له في الطريق و معهما الغداء، وقال: أعطني الغداء، هذا الحوت المشوي المملوح يعيد الله إليه الحياة ويرجع إلى الماء ويسري فيه كما كان قبل أن يخرج من الماء، فمن الذي رد إليه الحياة وعاد إلى ما كان عليه؟! كل ما سبق من الأمثلة يعد من أدلة البعث التي اشتمل عليها كتاب الله، وهي أمثلة ملموسة للأمم كلهم، وقد جاءنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بذلك، وقد التزمنا بالتصديق بما يأتي به، وذلك من لوازم (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وآمنا بالملائكة الذين جاءوا بالكتاب، والكتاب فيه البعث، وفيه تلك الأخبار كلها، ولهذا لم يعد أمر البعث مستغرباً أو مستبعداً؛ لأننا شاهدنا آثار وجوده وآحاده في الحياة.
ومن هنا كان الإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان، وكان هو منطلق الالتزام بالتكاليف فعلاً وتركاً، وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

الأسئلة

من مات وأحياه الله لسبب فإنه يموت ثم يحيا مرة أخرى


السؤال
تلك الأنفس أفراداً أو جماعات التي أماتها الله ثم أحياها، هل ماتت بعد ذلك، وهل تحيا بعد ذلك؟

الجواب
نحن قلنا: قتيل بني إسرائيل عاد إلى الحياة وصار يمشي عند الناس أو أدى الشهادة التي عنده، وقال: لقد قتلني فلان ثم مات من حينه، ونحن قلنا بأن هذه الأخبار جاءتنا عن الصادق المصدوق، ونؤمن بها كما لو كنا نشاهدها.
أقول: يذكر علماء السلف من بعض خوارق العادات وبعض كرامات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمكن أن يضاف إلى تلك الأحداث السابقة، وذلك أنه في بعض الغزوات عند رجوعهم إلى المدينة، مات فرس أحد الصحابة، فقالوا: هات متاعك نحمله معنا، قال: أنظروني أصلي ركعتين وأسأل ربي، فصلى ركعتين وسأل الله أن يحيي له فرسه عارية يوصله المدينة، فانتفض الفرس وقام، وركب حتى وصل إلى المدينة وإلى باب بيته ولم يدخل الفرس داخل البيت، وقال لأولاده: أنزلوا المتاع عن الفرس فإنه عارية! وحينما أنزلوا متاعه سقط على جنبه.
وإذا صح السند لا قول لأحد، فأولئك الذين أحياهم الله لقضية معينة رجعوا إلى ما كانوا عليه إلا قتيل بني إسرائيل، ولكن الألوف الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت، الله يقول: (أماتهم ثم أحياهم)، لكي يبين لهم بأن الموت يدركهم وأنهم غير هاربين منه.
وكذلك الذين اصطفاهم موسى عليه السلام واختار من قومه وذهب للمناجاة فأخذتهم الصاعقة وماتوا، وموسى عليه السلام قد كان اختار خيار القوم، وإذا رجع وحده فماذا يقول لقومه؟ فإنهم سيقولون له: أنت الذي أهلكتهم، ولذا اعتذر إلى ربه من فعلهم وأكرمه الله بإحيائهم ورجعوا معه مرة أخرى، وهؤلاء سيموتون، لكن حينما يأتي الأجل الحقيقي النهائي، والله سبحانه وتعالى أعلم.

حال من أماتهم الله ثم أحياهم في الموتة الثانية


السؤال
هل ذاقوا مرارة الموت في المرة الثانية؟

الجواب
أقف وأقول: الله تعالى أعلم، وهذا شرط بيني وبينكم، من أراد تحقيق ذلك فليرجع إلى النهاية لـ ابن كثير ، كتاب النهاية لا البداية لـ ابن كثير ، لعله يجد في هذا شيئاً أو يرجع إلى كتب التفسير، والله سبحانه وتعالى أعلم.

الفخذ عورة


السؤال
وضع جبريل يده على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم، ألا يدل على أن الفخذين ليسا بعورة؟

الجواب
أقول: لا دليل في ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس جالساً مكشوف الفخذين، إنما هو اللمس وهو كالرؤية، وكل الناس ترى فخذاه وليس ذلك رؤية للعورة، وليس في هذا دليل من ذلك، ويتفق العلماء على أن عورة الرجل من الركبة إلى السرة، وهذا باتفاق، ولا ينظر ولا يسمع لمن يقول: الفخذ ليس بعورة ويستدل ببعض الآثار الواردة في ذلك، ويرويها أيضاً الصنعاني و الشوكاني ولكن يردونها، والصحيح أن الفخذين عورة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد.

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [7]

حياة البرزخ
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإننا وصلنا في الحديث على أركان الإيمان إلى (الإيمان باليوم الآخر)، وأوردنا أدلة البعث من كتاب الله فيما يذكره العلماء، وهي أربعة: خلق الإنسان من عدم، وخلق السماوات والأرض، وإحياء الأرض بعد موتها، وإحياء بعض الموتى في الدنيا من الإنسان والحيوان والطيور والحوت.
وقلنا: إن مجرد الإيمان بالبعث أو باليوم الآخر ليس هو المقصود وحده، ولكن المقصود الإيمان بما يكون في ذلك اليوم من أحداث غيبية، ومن حساب وجزاء وعقاب، وما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه، وأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خروج الروح
يتفق العلماء على أن بداية اليوم الآخر لكل إنسان بحسبه، أما يوم البعث ويوم الحشر فهو للجميع.
وبداية اليوم الآخر بالنسبة لكل فرد من بداية النزع، ولحظات سكرات الموت ومفارقة الدنيا والإقبال على الآخرة، ولذا يقول الفقهاء: من مات فقد قامت قيامته، يعني: انتهت دنياه وبدأ في طريق الآخرة.
أما الموت فلا ينكره أحد؛ لأنه شيء محسوس معاين، وتحدى الله سبحانه الخلائق كلها أن يوقفوا حركة الموت: { فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ } [الواقعة:83-87].
وهل ارتجعت روح إنسان قط؟ لا والله، قد حاول العالم في الآونة الأخيرة إبقاء حياة فردٍ كان يحكم قريباً من نصف العالم، وغاية ما استطاعوا إمداد حركة القلب فقط مع موت الدماغ، والطب يقول: ليس الموت موت القلب ولكن الموت موت الدماغ، أما القلب فإنما هو آلة تضخ الدم، ويمكن الاستعاضة عنه بقلب اصطناعي، أما المخ فلا.
هذا الشخص اجتمعت له أطباء العالم حتى من معسكر خصمه، وبقي أسبوعاً وقلبه ينبض، ولكن ليس هناك حياة، فعجزوا ثم دفنوه واستراح، { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ } [النحل:61]، والمقصود بالساعة الساعة اللغوية، أي: لا يستأخرون عنها.
ومن عند الموت تبدأ أحوال الآخرة وأولها عملياً البرزخ، وكلمة البرزخ بدلاً من القبر؛ لأن البرزخ أعم من القبر، فمن أحرق فهو في برزخ، من أغرق وأكلته الحيتان فهو في برزخ، من أكلته السباع في الخلاء فهو في برزخ.
ويقول ابن كثير : ولو أحرق وذري في الهواء فهو في برزخ، أي: برزخٌ بين الدنيا والآخرة؛ لأن مرحلة وجود الإنسان أولاً في عالم الذر، وعندما أخرج الله ذرية آدم من ظهره، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
هذه مرحلة رجعوا منها إلى أصلاب الآباء وجاءوا منها إلى الأرحام فهي مرحلة.
ثم خرجوا إلى الدنيا، وهي محطة الزرع والتزود وينتقلون منها إلى البرزخ.
وهذه مرحلة.
ثم تأتي المرحلة النهائية وهي يوم القيامة واليوم الآخِر، وبحث العلماء في موضوع البرزخ هو: عذاب القبر ونعيمه وتفاوت الناس فيه، وسؤال العبد في قبره، وكون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار؛ عياذاً بالله!

السؤال في القبر
أما السؤال في القبر فبالإجماع أنه واقع، وأشرنا بأن من الملائكة الذين نؤمن بهم: منكراً ونكيراً، وقالوا: هما في حق المؤمن: مبشر وبشير.
ومنكر ونكير، أي: على خلقة ليست على خلقة البشر ولا على خلقة الملائكة، إنما خلقوا لهذا الأمر.
والسؤال في البرزخ واقع باتفاق أهل السنة جميعاً، كما جاءت الأحاديث وتكاد أن تكون متواترة، وفي الحديث عن أنس وغيره قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نقبر ميتاً لنا بالبقيع، فأخذ عوداً وكنا مطرقين كأن على رءوسنا الطير، فقال: وذكر صلى الله عليه وسلم قال: أنا خير الأولين والآخرين يوم القيامة، وساق حديث الشفاعة العظمى، وذكر ما يتعلق بالقبر وقال: إن روح المؤمن إذا حضرتها النزع: وجاء ملك الموت لقبض روحه، جاءت ملائكة الرحمة بحنوط وكفن من الجنة، فلا تمهل الروح في يده طرفة عين، فيأخذونها يكفنونها ويحنطونها بما معهم من كفن وحنوط الجنة، ثم يصعدون بها إلى السماء الدنيا أطيب ما تكون ريحاً؛ فتفتح لها أبواب السماء وتقول الملائكة: من هذا؟ فيقال: فلان بن فلان، ويذكرونه بأطيب أسمائه، ثم يشيعه من كل سماء مقربوها، حتى يصعدون بروحه إلى المولى سبحانه فيقول: أعيدوه إلى الأرض وأفرشوه من الجنة، فإذا أعادوه إلى الأرض وأفرشوه من الجنة، جاءه الملكان وأجلساه وسألاه: من ربك؟ فيجيب: ربي الله، من نبيك؟ فيقول: نبيي محمد صلى الله عليه وسلم، ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقال له: نَم نوْمة العروس.
وفي رواية أخرى: يفتح له باب من النار فيقال: ذاك كان مقعدك لو لم تؤمن، ثم يسد عنه ويفتح له باب من الجنة فيقال: ذاك مقعدك يوم القيامة، فيقول: يا رب أقم الساعة! ثم يأتيه رجل جميل الوجه مبتسم، فيقول له: من أنت! إن وجهك ليبشر بخير؟ قال: أنا عملك الصالح.
والكافر أو غير المسلم -عياذاً بالله- على العكس من ذلك.

عذاب القبر ونعيمه
ومن هنا أثبت أهل السنة والجماعة سؤال القبر وعذابه ونعيمه، واستدلوا بالنصوص الأخرى كما في الموطأ في كتاب الجنائز، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الميت ليعذب في قبره من بكاء أهله ).
ولما سمعت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن ابن عمر رضي الله عنه يحدث بهذا، قالت: رحم الله أبا عبد الرحمن ! ما كذب ولكنه نسي؛ إن الرسول قال ذلك في امرأة يهودية: ( إنهم ليبكون عليها وهي تعذب في قبرها ).
وسواء كان في امرأة يهودية تعذب في قبرها، أو كان العبد يعذب في قبره ببكاء أهله عليه؛ فقد أثبت كل من الحديثين سواء على رواية ابن عمر أو على رواية عائشة أن في القبر عذاباً، سواء كان لليهودية أو كان لهذا الرجل الذي يبكي عليه أهله.
وقد جاء الحديث من غير طريق ابن عمر كـ عمر و زيد وغيرهم، من: ( أن العبد يعذب في قبره ببكاء أهله ).
قالوا: ما ذنبه حتى يعذب بفعل الغير؟ وأجابوا: بأن الإنسان بين أحد أمور ثلاثة: الأول: إما أن يأمر أهله أن يبكوا عليه لزيادة مكانته وإظهار الحزن عليه، كما أوصى طرفة أن يبكوا عليه: إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد الثاني: أن لا يوصي بالبكاء، ولكن يعلم من أهله أنهم سيبكون عليه ولم ينههم وهو حي، وكان الواجب عليه أن يقول: لا تبكوا عليّ، واصبروا واحتسبوا.
الثالث: أنه يعلم ذلك لكنه حذرهم؛ فخرج من العهدة، فيكون الذي يعذب في قبره ببكاء أهله: إما أنه أوصى بذلك، وإما أنه يعلم ولم ينههم عن هذا، فيكون كالذي رضي بما سيفعلون فيما بعد، فيعذب بذلك.
إذاً: القبر فيه عذاب ونعيم، واستدل الجمهور أيضاً من القرآن الكريم فيما يتعلق بفرعون وأهله، { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [غافر:46]، أي: يعرضون عليها باستمرار صباح مساء، ويوم تقوم الساعة يدخلون النار، فيكون عرضهم على النار غدواً وعشياً قبل قيام الساعة، وهذا هو رأي الجمهور.

ثبوت أنه يفسح للمؤمن في قبره مد بصره
قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حق المؤمن: ( ويفسح له في قبره مد البصر )، هنا بعض الناس كما يقول الطحاوي و ابن كثير : يدخلون العقل فينكرون ما جاء في خبر القبر.
والعجب الذي نريد أن ننبه عليه: ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، وهو عالم محدث ليس عرافاً: يذكر في قضية العلاء بن الحضرمي لما ذهب إلى البحرين غازياً لهم فوجدهم قد حازوا السفن إليهم، ودخلوا في جزيرتهم، وكان قد سار حوالي شهرين من المدينة إلى البحرين، فيقف يطالع في البحر والعدو قد انحاز بسفنه إلى الجزيرة، فماذا فعل؟ حينما كان يمشي في الصحراء نفذ ماؤه وماء السرية معه، وكادوا يموتون عطشاً وهم كما يقولون: في الدهناء لا ماء ولا شجر، فدعا الله تعالى؛ فإذا بالمولى سبحانه يغيث جنده، فيرون سحابة جاءت في الظهيرة تأتي على مرأى العين تقصدهم حتى إذا كانت فوق رءوسهم وقفت وتكاثفت وأمطرت عليهم الماء، فشربوا واغتسلوا وسقوا دوابهم وملئوا قربهم ومشوا في أمان الله.
فلما وصلوا إلى البحر ووجد السفن قد ذهبت بأهلها التفت إلى أصحابه وقال: أيها الناس! إني عازم على أمر، لقد أراكم الله في البر آية وهو قادر على أن يريكم في البحر آية، إني عازم على أن أخوض هذا البحر، وتقدم إلى البحر وقال: أيها البحر! إنك تجري بأمر الله ونحن جندٌ في سبيل الله، عزمت عليك لتجمدن لنعبر نقاتل عدو الله! انظروا الأوامر من أين جاءت، انظروا إلى صياغة القرارات، أنت تجري بأمر الله، ونحن لسنا ذاهبين لتجارة ولا لزيارة ولا لغرض نفسي، بل جندٌ في سبيل الله، ونحن وأنت من جنود الله، وما دام الأمر كذلك فقد عزمت عليك لتجمدن لنعبر نقاتل عدو الله، الذي أنا وأنت تحت أمره، وخاض البحر.
يقول ابن كثير : فما ترجل الفارس ولا واحتفى المنتعل، أي: الذي هو راكب ما نزل، كان لابساً نعله ما خلعه، وعبروا إلى الجزيرة وقاتلوا عدو الله وانتصروا: { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [الحج:40]، فالله ربنا لا يريد منك قوة، فالقوة من عند الله، لكن يريد منك اتجاهاً إليه، وهو يسخر لك العوالم.
لما جاءوا راجعين أدركه مرضٌ في عنقه ومات منه، فدفنوه حيث كانوا، فجاء نفرٌ من أهل تلك الأرض، وقالوا لهم: إن كان ميتكم عزيزاً عليكم فلا تتركوه هنا؛ لأن هذه الأرض إذا جاء الليل تلفظ الموتى ولا تقبلهم، فقالوا: والله ما من حق ابن الحضرمي أن نتركه نهب السباع، فرجعوا إلى قبره وحفروا القبر ونبشوه فما وجدوا فيه شيئاً، ووجدوا القبر مد البصر.
هل يستطيع أن يتدخل العقل في هذا؟ لا.
يقول الطحاوي رحمه الله: وليس ذلك بالغريب أن يكون القبر روضة من رياض الجنة، وبجواره قبراً آخر هو حفرة من حفر النار؛ لأن الله سبحانه قادر على أن يجعل حجارة القبر محماة حارة على صاحبها ونحن لا نشعر، ولو لمسناها لأدركنا ذلك، وإني لأعجب والله لعقلية هذا العالم الجليل، بل أقول: إن هذا فتحٌ من الله على لسانه، نحن الآن وهذا السلك فيه كهرباء نمسكه كالثلج، وإذا لامس التيار بعضه بعضاً كانت النار المحرقة، ولو انكشف عن هذا الحاجز العازل ولمسه البعير ولمسه أقوى إنسان لصعق في الحال؛ أين النار في هذا؟! الله سبحانه بقدرته قادر أن يجعل القبر بطبيعته ناراً على صاحبه وجاره لا يدرك شيئاً، بل أنت الآن تأتي إلى بيتك تفتح الثلاجة فتجد ثلجاً، وتلمسها من وراءها فإذا هي نار حامية، فلا حرارة الأسلاك خلفها تذيب الثلج، ولا الثلج يطفئ حرارة ما في ظهرها، وإذا كان صنع البشر بتمرير مادة باردة بطبيعتها تدفعه وتتحرك وتوجد هذا التبريد، فالمولى سبحانه أقدر على ذلك.
إذاً: لا ينفي عذاب القبر وأحواله إلا جاهل معاند، وإذا ذهب هناك فسوف يعاين الحق.
إذاً: أول مراحل القيامة البرزخ، وكما قال العلماء: ولو أنه أحرق وذرّ في التراب فهو في برزخ؛ يجد السؤال والعذاب أو النعيم، كما جاء في حديث الرجل: كان فيمن قبلكم من أوصى أهله إذا مات أن يحرقوه ويسحقوه، وفي يوم شديد الريح وعلى حافة البحر يذروه على أمواج المياه، ففعلوا ذلك، فأمر الله الرياح فجمعت ما أخذت، وأمر الله الأمواج أن ترد ما أخذت، وجمع الله خلقته كما كان، وسأله: لم فعلت هذا؟ قال: مخافة منك يا رب، قال: قد غفرت لك.
إذاً: القبر هو البرزخ مهما كانت حالة الإنسان فيه.

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [8]

أحداث يوم القيامة

النفخ في الصور
من بعد البرزخ يأتي كما يقول ابن كثير و الطحاوي وعلماء العقائد: النفخ في الصور، وفي حديث الصور الطويل: أن الله سبحانه أول ما خلق إسرافيل وخلق الصور ألقمه فمه ينظر إلى العرش ينتظر أمر الله له بالنفخ.
ويقولون: النفخات ثلاث؛ الأولى: نفخة الفزع، يفزع فيها من في السماوات ومن في الأرض.
والثانية: نفخة الصاعقة لا يبقى معها حيٌ على وجه الأرض.
والثالثة: نفخة البعث، وعند البعث يجمع الله أرواح الخلائق فيضعها في البوق الذي هو الصور، يقول صلى الله عليه وسلم: ( والله إن فتحة البوق -الصور- لكما بين المشرق والمغرب! فإذا نفخ إسرافيل انتشرت الأرواح كالنحل، ودخلت في أجسام أهلها، وانتظروا البعث ).
والأمر في ذلك أحاديثه طويلة، لكن يهمنا البعث من القبور، وخروج الناس، وأحوال ذلك اليوم، فيجب الإيمان بما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الميزان، والصراط، وتطاير الصحف، والعرض، والجنة والنار.
هذه أهم أحوال يوم القيامة، وكذلك ما يتبع ذلك من شفاعة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

الميزان والصراط
أما الميزان والصراط؛ فيختلفون أيهما يكون أولاً.
فبعضهم يقولون: الميزان بعد اجتياز الصراط؛ وقد أجمع العلماء على أن الصراط جسر ممدود على متن جهنم، قال الله تعالى: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا } [مريم:71-72].
والصراط كما يقول العلماء: أدق من الشعرة، وأحد من السيف، ويمر الناس عليه بحسب أنوارهم؛ لأن المؤمنين يبعثون من قبورهم بنور الإيمان كلٌ على حسب عمله، منهم من يكون معه النور كالجبل، ومنهم من يكون كالنخلة، ومنهم من يكون كالشمعة، ومنهم من يكون النور في إبهام قدمه ينطفئ تارةً ويضيء تارة، فإذا أضاء مشى وإذا انطفأ قام.
ويمرون على الصراط بحسب نورهم، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم إلخ.
فإذا اجتاز الناس الصراط فهناك يأتي الميزان، ونحن نؤمن بأن الله سبحانه يضع الموازين القسط ليوم القيامة، وهو ميزانٌ له كفتان محسوستان، ولكن هل يوزن الإنسان بعمله أو توزن الأعمال فقط؟ ومن أعظم أحاديث الميزان: حديث البطاقة: بأن رجلاً عرض على الميزان وله تسعٌ وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر، وكلها أعمال سيئة فتوضع في كفة سيئاته، فيناديه ربه: هل ظلمك كتبتي أليست هذه أعمالك؟ يقول: بلى يا رب، فيقول: هل بقي لك عندنا شيء؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى! لك عندي أمانة، فإذا ببطاقة مكتوبٌ فيها لا إله إلا الله، يقول: يا ربّ وماذا تفعل تلك البطاقة بتلك السجلات، فيقول سبحانه: لا ظلم اليوم، وتوضع البطاقة في كفة الحسنات فترجح وتطيش كفة تلك السجلات بما فيها.
فلا شيء يوازن اسم الله، هكذا يقول علماء العقائد.
فالميزان موجود وهو محسوس، ولكن قد يقال: كيف توزن الأعمال وهي أمورٌ معنوية؟ و

الجواب
هذا مما ليس لك فيه دخل، بل إننا في الوقت الحاضر نجد موازين متعددة، موازين تزن الحرارة، موازين تزن البرودة، موازين تزن الضغط في الهواء، موازين تزن الكثافة في الحديد وفي الماء، موازين توصل إليها الناس كانت لا تخطر على قلب أحد.
إذاً: توزن الأعمال والصحف والإنسان، وليس في طاقة العقل أن يتكيف معه، وقد جاء في الحديث الصحيح عند مسلم : ( سبحان الله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض )، فـ(سبحان الله) تملأ الميزان، كيف وهي أمر معنوي؟ هل تتجسم الحسنات وتصير ملموسة لها ثقل؟ ليس لنا ذلك، الله سبحانه يفعل ما يريد، الذي يهمنا أن الله سبحانه أوجد الميزان.
ويتساءل العلماء: وما الحاجة إلى الميزان؟ بعض الفلاسفة يتبجحون ويقولون: إنما يحتاج إلى الميزان الفوّال والكيال، والله ليس في حاجة إلى ميزان.
والجواب: صحيح أنه ليس في حاجة إلى هذا كله، ولكن: لماذا لا تقولون: ما فائدة الصحف؟ ولماذا لا تقولون: ما الحاجة إلى وجود ملائكة كرام كاتبين؟ فإن الله لا يحتاج شيئاً من ذلك.
لكن المولى يقيم الحجة على الخلق لئلا يحتج أحدٌ على الله، فكما جعل كراماً كاتبين وجعل صحفاً، كذلك جعل الميزان لتقوم الحجة على الخلائق.

الحوض
ومن الميزان إلى الحوض، وبعض العلماء يقول: إنه بعد الصراط والميزان، و القرطبي يرجح أن الحوض قبل هذا كله، لحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذا المسجد فأغفى إغفاءة ثم انتبه يتبسم، فقالوا: ما الذي أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليّ آنفاً سورة خيرٌ من الدنيا وما فيها: بسم الله الرحمن الرحيم { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ } [الكوثر:1-3]، أتدرون ما الكوثر؟ نهرٌ في الجنة آنيته عدد النجوم )، وفي حديث ذكر حوضه صلى الله عليه وسلم.
وقالوا في الجمع بين الرواتين: إن الكوثر نهرٌ من أنهار الجنة فيه ميزابان يصبان في حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قدره كما بين مكة وبصرى، عليه أكوابٌ عدد نجوم السماء، تربته المسك واللؤلؤ.
وهنا جاء الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إني أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، قالوا: يا رسول الله! كيف تعرف من يأتي بعدك ولم ترهم؟ قال: أرأيتم لو أن لأحدكم خيلاً بهماً دهماً، أكان يعرفها من بين الخيول؟ قالوا :بلى )، والغرة: بياض الجبين، والتحجيل: والحجل هو موضع القيد للفرس، أي: في اليدين، فإذا كان الموضع فيه بياض فهو حجل، وهذه علامة خاصة بهذه الأمة.
وفي تتمة الحديث: ( إن هذا العرض على الحوض هي المفازة الأولى )، فحينما يبعث المنافقون مع المؤمنين والكل معه نوره، { يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ } [الحديد:12]، فهنا المؤمنون يمضون في طريقهم بأنوارهم، فإذا ما وردوا على الحوض جاءت ملائكة تفرز الناس، فيذودون أقواماً عن حوض رسول الله لا يردونه، فينادي صلى الله عليه وسلم قائلاً: ( أمتي أمتي! فتقول الملائكة: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، إنهم غيروا وبدلوا، يقول صلى الله عليه وسلم: فأقول: سحقاً وبعداً لمن غير وبدل ).

موقف أهل النفاق في الآخرة
قال تعالى: { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } [الحديد:13]، الكل يبعث بنوره حتى المنافق، لكن عند العرض على الحوض يمضي المؤمنون بنورهم ويرد المنافقون فتطفأ أنوارهم، وهناك ينادون: { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } [الحديد:13] أي: انتظرونا نمشي في نوركم، أو انظروا إلينا نقتبس نوراً: { قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ } [الحديد:13-14]، الريب هو الشك، وهذا الشك هو النفاق.
ولكن لماذا يبعث المنافقون بالأنوار مع المؤمنين؟ هو تفسير قوله سبحانه: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } [البقرة:8-9]، فكانوا يخادعون المؤمنين ويقولون: إننا آمنا، وإذا رجعوا إلى قومهم قالوا: { إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } [البقرة:14].
فتركهم الله على نفاقهم واستفادوا بظاهر قولهم: آمنا، ولهم نصيب في المغانم والميراث والزواج، ويعاملون في ظاهر الأمر معاملة المؤمنين، ولكنهم يبطنون الكفر في داخلهم، وهكذا يستهزئون والله يستهزئ بهم؛ فإذا جاء يوم القيامة بُعثوا بأنوارهم وظنوا أن الخدعة مستمرة وأنهم مع المؤمنين في الأنوار، حتى تأتي المفرزة، فهناك يردون على أعقابهم وتطفأ أنوارهم ويطلبون من المؤمنين أن ينظروهم ليلتمسوا منهم النور، فيردونهم ويقولون: لا، ارجعوا فالتمسوا نوراً من ورائكم، وهناك تنتهي الفاصلة: { فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ } [الحديد:13]، من جهة المؤمنين، { وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } [الحديد:13] من جهة المنافقين.

أنواع الشفاعة يوم القيامة
الحوض هو المرحلة الأولى، ثم تتطاير الصحف، ثم يكون العرض على الصراط، ثم يكون الميزان، ثم المصير بعد ذلك إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وهناك الشفاعة، وبعضهم يذكر الشفاعة قبل ذلك، والصحيح أن الشفاعة هي آخر شيء حينما يمر الناس وحينما يصعب الأمر ويشتد على الخلق.
وبعضهم يقول: تكون الشفاعة العظمى قبل ذلك، ثم تأتي الشفاعات الشخصية الفردية.

الشفاعة العظمى
والشفاعة العظمى -كما ذكر علماء السنة- أنها للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو المقام المحمود الذي خصه الله به، يغبطه عليه الأولون والآخرون، وتكاد أحاديث الشفاعة تتواتر، وما نفاها إلا بعض الخوارج والمعتزلة، وبعضهم ينفي البعض منها ويثبت البعض.
ومجمل قضية الشفاعة حينما يشتد الأمر على الخلائق، وتدنو منهم الشمس -كما في الحديث- مقدار ميل، وهل هو ميل المكحلة أو ميل المسافة؟ الله أعلم.
يشتد الموقف على الجميع حتى يلجم الناس بالعرق؛ منهم من يكون إلى صدره أو ترقوّته أو ركبته حفاةً عراة غرلاً، وتقول أم المؤمنين: ( واسوأتاه يا رسول الله! أيجتمع الرجال والنساء حفاةً عراة وينظر الرجال إلى النساء؟! قال: يا عائشة الأمر أخطر من ذلك، كلٌ مشغول بنفسه ).
فيموج الناس بعضهم في بعض ويتمنون فصل القضاء والنهاية ولو إلى النار، فيقول بعضهم إلى بعض: ألا تذهبون تستشفعون إلى ربكم، فيأتون آدم: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيديه وأسجد لك ملائكته إليك، وأسكنك الجنة، وعلمك الأسماء، ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول آدم عليه السلام: نفسي نفسي، إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، وقد نهاني ربي عن الشجرة فأكلت منها فأستحيي أن أسأل ربي شيئاً، اذهبوا إلى نوح، فيأتون إلى نوح: يا نوح عمرك الله في قومك، ونجاك بالسفينة، ألا ترى ما نحن فيه؛ اشفع لنا عند ربنا لفصل القضاء.
فيقول: أما أنا فقد استعجلت بدعوتي فدعوت على قومي فأهلكهم، إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضبه قبله مثله، اذهبوا إلى إبراهيم خليل الرحمن، فيأتون إلى إبراهيم ويستشفعون به.
ويذكر إبراهيم عليه السلام الكذبة التي قالها، ويقول بعض العلماء: ليست بكذبة؛ لأنه لما جاء إلى مصر وأراد ملكها أخذ سارة ، فلما علم ذلك وخاف عليها قال لها: إن سألك فقولي هذا أخي، وأنا أخوك في الإسلام.
إذاً: ليست بكذبة، والله سبحانه أكرمها وكشف عنها الشر، ولما علم ذلك الملك وعرف مكانتها ومنزلتها وأخدمها جارية وأهداها غنماً وإبلاً، والجارية هي هاجر ، و سارة وهبتها لإبراهيم فيما بعد، وإبراهيم رزق منها بإسماعيل، وإسماعيل عليه السلام هو جد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو العرب، والرسول صلى الله عليه وسلم لما أرسل الكتب للملوك يدعوهم إلى الإسلام كتب إلى المقوقس ملك مصر، وكانت الإسكندرية عاصمتها آنذاك، فأكرم رسول رسول الله، وسأله المقوقس وقال: أليس تقول: إن محمداً نبي؟ قال: بلى، قال: لم لم يدع على قومه حينما أخرجوه ليلاً في هجرته، قال: ألست تقول: عيسى نبي، قال: بلى، قال: لِم لَم يدع على قومك حينما أرادوا صلبه؟ قال: إنك رجل حكيم، ثم قال: أخبر رسولك أني أومن به، ثم أراد أن يعلن ولكن خاف من بطارقته، وأهدى إلى رسول الله جاريتين وغلاماً وبلغةً وكسوة وطيباً وعنبراً، فأعطى النبي إحدى الجاريتين لصحابي، واختص بـ مارية القبطة التي رزق منها بـ إبراهيم .
بهذه المناسبة يقول صلى الله عليه وسلم: ( إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط، إنكم ستفتحون مصر فاستوصوا بأهلها خيراً؛ فإن لهم ذمة ورحماً )، يحفظ صلى الله عليه وسلم حق قطرٍ بكامله في رحم امرأةٍ واحدة.
نرجع إلى إبراهيم وإلى ذاك الموقف العظيم، حينما يموج الناس ويذهبون إلى آدم ويردهم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وكلٌ يعتذر، فيقول إبراهيم: اذهبوا إلى موسى، فيأتون إلى موسى فيعتذر، ويقول: لقد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، إن ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروح منه، فيأتون إلى عيسى فيعتذر، ولم يذكر ذنباً، ثم يقول: اذهبوا إلى محمد، فيأتون إلى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فيقول صلوات الله وسلامه عليه: ( أنا لها، أنا لها، فآت فأسجد تحت العرش فيلهمني الله بمحامد لم أكن أعرفها من قبل ولم يلهمها أحد قبلي، فأحمد الله ساجداً ما شاء الله، ثم يقال لي: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع؛ فأقول: أمتي أمتي ).
والرواية الأخرى لـ أحمد وغيره: ( فيأذن المولى سبحانه وتوضع الموازين، ويأتي المولى ويبدأ الحساب والعرض )، وهذه هي الشفاعة العظمى والمقام المحمود؛ لأنها شفاعة لفصل القضاء بين الخليقة كلها، وهو مقام يغبطه عليه الأولون والآخرون.

الشفاعات الأخرى
ثم بعد ذلك يشفعه الله سبحانه في أقوامٍ -وهي الشفاعة الثانية- تعادلت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع لهم فيدخلون الجنة، أي: بترجيح حسناتهم على سيئاتهم وبشفاعته صلى الله عليه وسلم.
الشفاعة الثالثة والرابعة: قوم يستحقون النار فيشفع فيهم فيدخلون الجنة دون دخول النار، ثم بعد ذلك يفصل بين الخلائق، ويدخل أهل النار النار، ويذهب بأهل الجنة إلى الجنة فيجدون الجنة لم تفتح، فيقولون: من يشفع لنا في دخول الجنة، فيأتي صلى الله عليه وسلم ويطرق الباب ويجيبه رضوان خازن الجنة، فيقول: أنا محمد، فيقول: أمرت أن أبدأ بك، لا أفتح لأحد قبلك، فيدخل أهل الجنة الجنة.
ثم يرجع صلى الله عليه وسلم إلى ربه ويسجد كما سجد أولاً، ويلهمه محامد كما ألهمه أولاً، ثم يقال: ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع، فيقول: يا رب شفعني فيمن كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان من أمتي، فيشفعه الله، فيذهب ويخرج هذا الصنف، ثم يرجع بعد ذلك ويقول: يا رب! شفعني فيمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيشفعه الله فيهم، ثم يرجع الأخيرة: يا رب شفعني فيمن قال: لا إله إلا الله من أمتي، وهنا يقول سبحان الله: شفع النبيون والمؤمنون والصالحون والملائكة المقربون، وبقي أرحم الراحمين، ويخرج من النار إلى الجنة كل من قال: لا إله إلا الله.

طلب الشفاعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم
أما حكم من طلب الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم اليوم، فيتفق علماء السلف: بأن الشفاعة لا تكون بالشخص على سبيل الإقسام به على الله، فلا يقسم على الله بأحد، ولا بالتوسل بشخصية إنسان، فأنت لا تملك تلك الشخصية، ولكن بإيمانك وبمحبتك وباتباعك لهذا الشخص وهو النبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء عن الله وبما جاء به رسول الله، وبقدر إيمانك ومحبتك لرسول الله واتباعك له تكون شافعاً في غيرك.
والنصوص في ذلك: أن الله سبحانه جعل الشفاعة كرامة للشافع والمشفوع فيه؛ لأن الشفاعة حقٌ لله، ولا يظن إنسان أنها كشفاعة أهل الدنيا، حاشا وكلا؛ لأن الله يقول: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } [البقرة:255]، { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } [النجم:26].
إذاً: الشفاعة يوم القيامة تكون أولاً كرامة للشافع كما أكرم الله سيد الخلق بالشفاعة العظمى، والمقام المحمود، وكذلك الصالحون من العباد يكرمهم الله، وجاء في الحديث: ( إن العالم ليشفع في أربعين بيتاً من جيرانه ).
فالشفاعة كرامة من الله للشافع، وإكراماً من الله للمشفوع فيه، وهل يشفع إنسان في إنسان أدخله الله النار بغير إذن من الله؟ لا يمكن هذا.
نحن في الدنيا من أجل طلب الشفاعة يجب أن نكون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسألها من الله، فنقول: اللهم إنا نسألك بإيماننا بك، ومحبتنا لرسولك واتباعنا لما جاءنا به، أن تشفعه فينا يا رب العالمين، نسأل الله تعالى أن يشفعه فينا وأن يجعلنا من أهل شفاعته، وأن يوردنا حوضه، وأن يسقينا بيده الشريفة شربةً هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً.
وبعد: فإن هذا الذي أوردناه هو مجمل ما يلزم على المؤمن أن يؤمن به تبعاً لإيمانه باليوم الآخر، وإن في اليوم الآخر أحداثاً ووقائع وأموراً يجب على المؤمن أن يؤمن بها قبلها عقله أو لم يقبلها؛ لأن وراء الموت عالم غيب، ولهذا كان الإيمان بالغيب منطلق الالتزام بالتكاليف فعلاً وتركاً كما أشرنا إلى ذلك، ودللنا عليه بقول الله: { ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } [البقرة:1-3].
ومن أهم الإيمان بالغيب: الإيمان باليوم الآخر، { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } [البقرة:3-4].

زيادة الإيمان ونقصانه
هذا الإيمان بأركانه، ويتفق علماء السلف على أنه يزيد وينقص، وخلاف العلماء في أن الإيمان يزيد وينقص لا نريد أن نطيل الكلام فيه، فمن الأئمة من يقول: لا زيادة ولا نقصان، وجمهور السلف على أن فيه زيادة وله نقصاناً.
وليس هناك خلافٌ حقيقي فيما أظن؛ لأن الذين يقولون إنه لا يزيد ولا ينقص ينظرون إلى الإيمان اللغوي الذي هو التصديق، والذين يقولون: يزيد وينقص ينظرون إلى الإيمان الشرعي الذي أمرنا به، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
ومما قاله العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه: لو أردنا أن نوازن بين إيمان أبي بكر رضي الله تعالى عنه و عمر و عثمان و علي و أبي هريرة و زيد بن ثابت ، وبين إيمان الناس في هذا الوقت، هل نجد معادلة بين إيمان أبي بكر بجميع معانيه وإيمان عامة الناس اليوم؟ يقول صلى الله عليه وسلم: ( لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح بها )، ونحن نعلم بأن أمور التصديق تزداد بالأمارات والعلامات، وأشرنا سابقاً إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، وبأن كل مسلم في مشارق الغرب يعلم يقيناً وجود الكعبة قبلة له، فإذا جاء إلى الحج ورآها عند باب المسجد زاد علمه بعين يقينه بوجود الكعبة أكثر مما كان يعلم وهو في بلده، فإذا جاء إليها وطاف بها ولمسها، وإذا فتح الباب ودخلها؛ كان إيمانه بالكعبة أقوى من إيمانه بها وهو عند باب المسجد.
وهكذا السلف الصالح عاينوا الأمارات، ولابسوا وشاهدوا وعايشوا المعجزات، وعاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل يستوي هذا الفريق مع ذاك؟! والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا وحبيبنا محمد.

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [9]

السؤال عن الساعة في حديث جبريل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد بقي في حديث جبريل عليه الصلاة والسلام سؤاله الأخير: ( أخبرني عن الساعة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ ) .
وسؤال جبريل عليه السلام عن الساعة إنما هو لتعليم الحاضرين، ولأنهم قالوا: جاء رجل أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل أسئلة ما كان ينبغي إيرادها، منها أنه قال: إني تزوجت وامرأتي حبلى، فأخبرني ماذا حملت؟! إني خلقت ووجدت فأخبرني متى أموت؟! إنا في الدنيا فأخبرنا متى تقوم الساعة؟!

معنى الساعة
الساعة لغةً: جزءٌ من الزمن أو لحظة، وفي اصطلاح العامة: جزءٌ من أربع وعشرين جزءاً من اليوم والليلة، وشرعاً: هو اليوم الآخر.
وسميت القيامة أو اليوم الآخر ساعة مع أنه فوق خمسمائة ألف سنة؛ إما لتسمية الكل ببعضه، أو لأن العبرة في ذلك بأوله، أي: أول مجيء هذا اليوم، أو بما يكون فيها من مباغتة الناس لحظة، أي: أول مجيئها.
والمهم أن السؤال عن الساعة إنما هو عن يوم القيامة، وقد سماها الله سبحانه كذلك، قال تعالى: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } [القمر:1]، { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ } [الروم:55]، تقوم الساعة، أي: القيامة، يقسم المجرمون على أنهم ما لبثوا في الدنيا غير ساعة، أي: ساعةً زمانية وجزءاً من اليوم.

حكم السائل والمسئول عن الساعة
لما قال جبريل عليه السلام: (أخبرني عن الساعة؟) ، أجابه صلى الله عليه وسلم بتلك القاعدة العامة، ولكن بأسلوب أعم وأشمل، وإلا فقد كان مقتضى السياق أن يقول له: لست أعلم بها منك، ولكن لتعليم الحاضرين ألا يعودوا إلى السؤال عنها مرة أخرى، فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).
وهل ذلك خاص بتلك الصورة المسئول عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسائل جبريل أو مدى الدهر؟

الجواب
كلما سأل سائل عن الساعة ووجه السؤال لمسئول يكون الجواب: ما المسئول عنها -أياً كان هو ومتى كان السؤال- بأعلم من السائل؛ أياً كان هذا السائل وفي أي زمان ومكان، وهذا هو الذي يفهم من السياق.
ويقول بعض العلماء: إن هذا السؤال قد وقع قبل ذلك بين جبريل وعيسى عليه وعلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ولكن السائل في ذلك الوقت كان عيسى عليه السلام، فلما سأل جبريل عليه السلام انتفض انتفاضةً وقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟ إذاً: قوله صلى الله عليه وسلم وجوابه بهذه الصيغة يظل قاعدة عامة مطردة كلما سأل سائل ووجه السؤال إلى مسئول ويكون الجواب هو: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).
وجبريل كان يعلم ذلك، وليس السؤال عن الساعة من حيث هي، فالساعة من حيث هي مسلمٌ بها من كل مؤمن بالبعث، ولكن السؤال عن زمنها، ومتى تكون؟

يوم قيام الساعة
أخفى الله سبحانه وتعالى علمها على الخليقة كلهم، فلم يَطَّلِع عليها ملك ولا نبي ولا إنسان، ولكن جاء عنه صلى الله عليه وسلم تحديد اليوم الذي تكون فيه وهو يوم الجمعة، كما جاء في رواية الموطأ عند مالك : ( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه سجدت الملائكة إليه، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تيب عليه، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مؤمن قائم يصلي يسأل الله حاجته إلا أعطاه، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة في الأرض إلا وتصيخ بسمعها يوم الجمعة من بعد صلاة الفجر حتى مطلع الشمس إشفاقاً من الساعة )، أي: إذا كان يوم الجمعة بعد صلاة الفجر فأنها تصيخ الدواب بسمعها وتنتظر سماع نفخة الصور لقيام الساعة.
وهذا من آيات الله: أن البهائم العجماوات تؤمن بقيام الساعة، وتعين يوم الجمعة من الخميس قبله أو السبت بعده، وتعلم أن يوم الجمعة هو يوم موعد قيام الساعة، ولكن متى؟ لا يعلم ذلك إلا الله.
وفي سورة يس: { مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } [يس:49-50].
وروى البخاري رحمه الله: ( تقوم الساعة بغتة، ويكون الثوب بين رجلين فلا يطويانه ولا يتبايعانه )، أي: يأتي الشخص للتاجر كي يشتري ثوباً، فبينما هو ينظر ويساوم تقوم الساعة قبل أن يطوي الثوب البائع، وقبل أن يشتريه المشتري.
( ويحلب صاحب اللقحة حليبها فلا يشرب ما حلب، ويرفع صاحب الطعام الطعمة إلى فِيه فلا يأكلها ) وهكذا النصوص الصحيحة في مجيء الساعة بغتة لا يعلم وقتها ولا يجليها لوقتها إلا هو { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } [النازعات:42-46].
وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله متى الساعة؟ فأجابه جواباً لطيفاً: ( ماذا أعددت لها؟ )، أي: ليس المهم أن تسأل عن مجيئها، ولكن المهم أن تعد لها العدة فقال: ( ماذا أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله، قال: المرء مع من أحب ).

نصائح لطلاب العلم

وجوب إرجاع العالم علم ما لا يعلمه إلى الله
هنا يقف العلماء للتنبيه والتأكيد على كل طالب علمٍ: أنه إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: لا أعلم؛ فهذا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي في الصغيرة والكبيرة، جاءه جبريل على أذىً في نعله وهو يصلي، يأتيه جبريل في كل ما يريد الله إبلاغه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك، بدل أن يقول: لا أعلم، قال: ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل )، يعني: لا تطمع في جواب من عندي.
ولذا كان علي رضي الله تعالى عنه يقول: (ما أشد بردها على قلبي، أن أسأل عما لا أعلم فأقول: لا أعلم).
ويذكر العلماء عن مالك رحمه الله: أنه سئل عن أربعين مسألة جاء بها الآتي مسافراً يشد الرحل إليه، فيجيبه عن أربعة فقط، ويقول في الباقي: لا أعلم، فيقول له: ومن يعلم إذا لم تعلم؟ وكيف لا تعلم؟! فقال له: ارجع وأخبر كل من وراءك أن مالكاً لا يعلم.
وهكذا ابن مسعود يقول: (قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع)، ولهذا من أسلم ما يكون لطالب العلم عند عدم المعرفة بالمسئول عنه أن يبرأ إلى الله ولا يحمل ذمته أن يقول بما لا يعلم.
وهذه السنة النبوية، وهذا موقف الخلفاء الراشدين وأئمة المذاهب رحمهم الله وسائر العلماء، والعاقل لا يتخطى ذلك، لا تقل اليوم بشيء لا تعلمه، وربما تأخذ السؤال على أنه علم، ثم ينكشف الغيب فيما بعد بأنك قد أخطأت فيما قلت وأنك قلت بما لا تعلم، فكيف يكون الموقف؟ وفرقٌ بين من يتعمد القول فيما لا يعلم بأنه يعلم، وبين من يجتهد فيما إذا كان الموقف موقف اجتهاد ولديه أداة المجتهد؛ فيبذل الوسع ثم يقول بما وصل إليه علمه.

الاجتهاد المأذون به شرعاً
جاء في بعض المواقف عن السلف في موقف الاجتهاد ما يصادف الحق؛ فيكون شدة الفرح عنده خير من الدنيا وما فيها؛ فقد جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه: أنه خرج إلى الشام في عام عمواس، فلما وصل إلى تلك القرية جاءه أمراء الأجناد في الشام قبل أن يدخل الشام بمراحل وأخبروه أن الطاعون قد فشا هناك.
فقال لـ ابن عباس : اجمع لي مشيخة المهاجرين، فجاءوا.
فسألهم: ماذا ترون؛ أنمضي بالجيش أم نرجع من الطاعون؟ فاختلفوا عليه، فمنهم من قال: أردت الخروج في سبيل الله فلا ترجع، ومنهم من قال: معك شيوخ الصحابة ووجوه القوم فلا تقدم بهم على هذا الطاعون ليهلكهم، ونرى أن ترجع، قال: قوموا عني.
ثم قال: أدخل عليّ شيوخ الأنصار، فاختلفوا عليه كما اختلف شيوخ المهاجرين، ثم قال: ادع لي من هنا من مشيخة قريش، فجاءوا فما اختلف عليه واحد منهم، وقالوا: نرى أن ترجع ولا تقدم على هذا الوباء ومعك خيار أصحاب رسول الله وبقيتهم.
فأعلن: إني مصبح على ظهر -أي: راجع- ولما أصبح جاءه عبد الرحمن بن عوف ولم يكن حاضراً، فقال: يا أمير المؤمنين! عندي في ذلك علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما ذاك؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا كان الطاعون بأرضٍ فلا تدخلوا عليه، وإذا نزل بكم في أرضٍ فلا تخرجوا منها فراراً منه )، فكبر عمر ، فقال: الحمد لله الذي وفقني لما أراد رسول الله.
وكذلك عبد الله بن مسعود لما جاءه السؤال في المرأة التي عقد عليها زوجها، ولم يسم لها صداقاً، ومات قبل الدخول بها، فدفع السائل عنه، فذهب إلى غيره ومكث الرجل أربعين يوماً في الكوفة يطلب من يفتيه فلم يجد، ثم رجع إليه مرة أخرى، قال: لم أجد ولن أرجع حتى أسمع الفتوى، فقال: أقول فيها برأيي؛ فإن أصبت فمن الله وبتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، أرى أن لها صداق مثيلاتها -بنت عمها وبنت خالتها وأختها-، ولها الميراث، وعليها عدة الوفاة؛ لأنها مأخوذ عليها.
فلما سمعه رجل من الصحابة جالس قام وقال: أشهد بالله لقد حكمت فيها بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق ، ففرح بذلك فرحاً شديداً لموافقته الحق بما اجتهد فيه.
والاجتهاد في الأحكام من خصائص الإسلام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بكتاب الله، ونصوص الكتاب آيات معدودة، وجاءت نصوص السنة النبوية وهي مهما كان مبلغها فأعدادها محصورة.
وكما يقول الأصوليون: النصوص محدودة، والأحداث -أي: طول الزمان- ليست محدودة، فلا يمكن أن تقف غير المحدودة عند المحدودة، فما يستجد من الأحداث التي لا تتناهى لا نتركها هملاً، ولا نفرغها عن حكم شرعي بل نرجع إلى القواعد العامة التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فنطبق عليها القواعد العامة، وتندرج تحت هذا العموم، ويكون باجتهاد المجتهدين.
وأجمع العلماء على أن الاجتهاد من خصائص الإسلام، ومن ادعى قفل باب الاجتهاد فهو مخطئ.

أهلية الصحابة للاجتهاد
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم بأن علماء هذه الأمة، بل صدر الأمة جميعاً، تأهلوا ليكونوا قادة للعالم كله، وذلك في غزوة تبوك، فإنه لما خرج صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وفي أيام من أيام سفره ذهب يتوضأ لصلاة الفجر، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يبعد إذا أراد الخلاء، فأبعد طويلاً وكان معه المغيرة بن شعبة ، فتأخر عنهم وطال انتظارهم، فخافوا خروج الوقت بطلوع الشمس، فتشاوروا فيما بينهم: ماذا نفعل؟ ننتظر رسول الله فيخرج الوقت! أم نصلي الفرض الواجب علينا؟ فاتفقوا على أن يصلوا وقدموا رجلاً منهم، فلما صلى بهم إمامهم ركعة وقام للركعة الثانية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حضر، فهم المغيرة أن ينبه إمامهم ليرجع ليقوم النبي مقامه؛ وهذا حق الإمام الراتب، لو تأخر وجاء وقد أقاموا رجلاً منهم، فهو بالخيار؛ إن شاء أخره وقام مقامه، وإن شاء صف مع الناس.
فـ المغيرة رضي الله تعالى عنه أراد أن ينبه إمامهم ليرجع إلى الصف ويتقدم النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنهاه رسول الله، وصف هو و المغيرة في صفوف المسلمين، ولما سلم الإمام قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتم الركعة التي فاتته، ولما سلم عظم على المسلمين أنهم يصلون أمام رسول الله، فهون عليهم وقال: ( ما قبض الله روح نبي حتى يصلي خلف رجل من أمته ).
هذا الإشعار ليس حدثاً تاريخياً فقط: (ما قبض الله روح نبي إلا بعد أن يصلي خلف رجل من أمته)، فلقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمة وهم في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء، لا يعرفون حقاً ولا ينكرون منكراً، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وجعلهم سادة وقادة؛ إذ مهمة الرسول في الأمة: أن ينبه ويرشد ويعلم، ولكأنه بهذا قد ربى جيلاً، وربى قادة، وأوجد مجتمعاً الواحد منهم أصبح صالحاً لقيادة أمة، وأن يأتم به رسوله معه؛ بأي شيء؟ باجتهادهم بعملهم وبتحصيلهم، والباب واسع كما في حديث لـ معاذ لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً إلى اليمن، ثم قال: ( بم تقضي يا معاذ ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلوا، فقال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسول الله لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم )، وإن كان بعض الناس يطعن في هذا الحديث لسنده، فالجمهور جميعاً على ما في هذا الحديث من هذا المبدأ.
وأدلة الاجتهاد لا تحتاج إلى إيراد، إنما يهمنا أن العالم إذا سئل عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، وليتوقف وليسأل من هو أعلم منه.
وقد جاء في الموطأ: أن ابن عباس اختلف معه رجل، هل يغسل المحرم رأسه أم لا؟ فقال: يا فلان ! اذهب إلى أبي أيوب الأنصاري ، وقل له: إن ابن عباس يسأل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم؟ فذهب الرجل، قال: فوجدت أبا أيوب يغتسل بين قرنين -القرنان هما البنايتان- ودونه ثوب يستره، وعنده غلام يصب له الماء، فسلمت عليه وأخبرته بما أرسلني به ابن عباس ، فأخذ الثوب وطأطأه حتى ظهر رأسه، وقال للغلام عنده: صب يا غلام، فأقبل بيده وأدبر، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم، فرجع إلى ابن عباس وصاحبه وأخبرهما بما كان.
ولما اختلف عثمان رضي الله تعالى عنه ورجلاً آخر في الرجل يجامع أهله ولم ينزل؛ هل يسقط عنه الغسل لحديث: ( إنما الماء من الماء )، أو يغتسل لحديث: ( إذا جلس بين شعبها ثم جهدها فقد وجب الغسل ).
وجاء عمر رضي الله تعالى عنه وهم مختلفون في ذلك، فقال عمر لـ علي رضي الله تعالى عنه: ما تقول يا علي في هذه المسألة؟ وهنا يرد علي الجميع إلى منبع العلم فقال: ولم تسألني ولم تسأل غيري وبجوارك أمهات المؤمنين، أرسل إليهن فاسألهن عن ذلك، فإنهن أعلم بهذه القضية؛ فأرسل إليهن وذهب الرسول إلى أم سلمة أولاً فقالت: سلوا عائشة ، فذهبوا وسألوا عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: كنت أفعله أنا ورسول الله ونغتسل، وقالت لهم: قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا جاوز الختان الختانَ فقد وجب الغسل )، وقالت لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل؛ أنزل أو لم ينزل )، فجاء الرسول إلى عمر وهو جالس، فقال: من فعل هذا وجب عليه الغسل وإلا أوجعته ضرباً وجعلته مثلة لغيره، فانتهى الخلاف.
إذاً: إذا سئل الإنسان عما لا يعلم فإنه يقف، ويكل العلم إلى الله، ثم عليه أن يجتهد، فإن أداه اجتهاده فيما لا نص فيه، أو لم يبلغه النص، ووقف على علم للسلف في ذلك فليقل بما علم، وقد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [10]

أمارات الساعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: ففي الحديث: قال جبريل عليه السلام: ( أخبرني عن أماراتها؟ )، أي: إذا لم تكن تعلمها وأنا لن أعلمها، فهل لها أمارات وعلامات، أو لا؟ والأمارات: جمع أمارة وهي العلامة.

معنى: (أن تلد الأمة ربتها)
قال: ( أن تلد الأمة ربتها، وأنت ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ) ، في هذا الموضع من هذا الحديث يكثر إيراد آراء العلماء على قوله: (أن تلد الأمة).
الأمة: هي المرأة المملوكة بملك اليمين، والتي أخذت في أسارى الحرب من الميدان في المعركة؛ لأنه لا إماء إلا بقتال، أو متولدةً من أمة، وما عدا ذلك فلا رق في الإسلام.
(أن تلد الأمة ربتها)، والربة تأنيث الربِّ، وجاء في بعض الروايات: (ربّها)، أي: سيدها، وقد جاء في الحديث: ( لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي ) ، لكن المقام هنا مقام بيان.
واختلفوا في معنى: (تلد الأمة ربتها) أي: سيدتها، فقيل: أن تلد تلك المرأة المملوكة بملك اليمين سيدتها التي تملكها، قالوا: وهذا موجود في زمن رسول الله، كان يؤتى بالإماء وتوزع السبايا على الرجال، ويولد لهم منهن، وهذا محمد ابن الحنفية ابن علي رضي الله تعالى عنه من سبي بني حنيفة وقيل: وهذا الوجه لا يرد على هذا الحديث؛ لأن السؤال عن أمارات تقع فيما بعد وما وقعت في ذلك الوقت.
وقيل: (أن تلد الأمة ربتها)، بمعنى: ملكها، بأن تصل السراري إلى بيوت الملك ويتسرى الملك بأمة، وتلد ولداً، ثم يتولى الولد الملك فيكون ملكاً على الرعية ومن ضمنها أمه؛ لكن يقال: كل ملك في العالم فهو ملك على الرعية وقد تكون أمه موجودة، فليس في ذلك جواب.
وقيل: هذا يدل على تفشي التسري حتى تصل الإماء إلى قصور الملوك، وكان العرب يأنفون أن يستمتعوا بالإماء ويتنافسون على الحرائر.
وقيل: قد يكثر الإماء ويكثر التسري بهن، وتباع الأمة وهي حامل، ثم تلد، ثم يشتريها رجل وتكون عنده وتلد ولداً يشتريه آخر ثم يعتقه، ثم يشتري هذا المعتق هذه المرأة التي ولدت هذا الولد، فيملك أمه وهو لا يدري.
وقيل: قد يكثر التسري، فيشتري الرجل الأمة، وتحمل منه وتضع له ولداً، ثم يبيع المالك المرأة ويبقى الولد، وتتناولها الأيدي بالبيع وتدور وتستدير وترجع إلى هذا الولد، فيشتريها وهو لا يعلم أنها أمه، وقد يستمتع بها بملك اليمين استمتاع السيد بإمائه وهو لا يدري.
وكل ذلك يقوله العلماء وينتهون بجملة واحدة، هي: أنه تنعكس المقاييس ويحصل الاختلاط وتنقلب الأوضاع، وهذا من علامات آخر الزمان، وقد جاءت النصوص في هذا الباب عديدة، وأفردها العلماء بكتب في الملاحم وأشراط الساعة وغيرها.

معنى: (وأن ترى الحفاة العراة )
قال صلى الله عليه وسلم: ( أن ترى الحفاة العراة ) .
الحفاة: هم الذين لا ينتعلون في القدمين.
والعراة: الذين لا يلبسون شيئاً؛ وهل يصير الناس عرايا مثل إنسان الغابة لا يلبسون شيئاً، أو أن ذلك مبالغة في وصفهم بحالة الفقر وعدم امتلاك شيء؟ (رعاء الشاء العالة) العيلة الفقر، وكثرة العيل الأولاد، وما عال من اقتصد.
يعني: ما افتقر إنسان اقتصد في نفقاته، فالعالة: الفقراء، وغالباً أن الرعاة فقراء؛ لأن ما يرعونه من إبلٍ أو بقر أو غنم لملاكها، وهم خدمٌ عندهم مستأجرون، ثم ينقلب الوضع فيصير هؤلاء الناس وهذا الصنف يتطاولون بالبنيان، وفي رواية: (يتفاخرون).
وهل البنيان من حيث هو ممنوع؟ نجد في جانب الزهد والورع من يورد آثاراً في النهي عن البناء بالكلية؛ حتى أوردوا عن عيسى عليه السلام أنه سئل: (لِم لَم تبن بيتاً؟ قال: لا أريد أن أدع شيئاً من بعدي أذكر به).
وعن عمر بن عبد العزيز قيل له: (لم لا تبني بيتاً؟ قال: لا أريد أن أضع لبنة على لبنة ولا خوصة على خوصة).
هذا مع أننا وجدنا الصحابة والسلف لهم البيوت والرسول صلى الله عليه وسلم بنى الحجرات لزوجاته رضي الله تعالى عنهن، ولكن لم يشيد ولم يتطاول، هذا قصر سعد بن العاص موجود في العقيق، ومن أراد أن يراه فهو إلى الآن قائم بالحجارة والنورة والجص، وقد انهدم بعضه وبعضه قائم حتى اليوم، لكن العبرة بالتطاول والتفاخر، فإذا كان الأمر في هذا الباب لا لمجرد البناء ولكن للتفاخر فيه فلا بأس، فقد كانت حجرات رسول الله لأمهات المؤمنين إذا وقف الواقف ومد يده ربما نال السقف، وحينما أريد هدمها وإدخالها في المسجد قام سعيد بن المسيب وقال: ليت حجرات زوجات رسول الله بقيت؛ ليرى الناس كيف كانت حياة زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياته صلى الله عليه وسلم معهن؟! وفي أول الأمر حينما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء المسجد كان هناك بستان، فقطع النخيل ووضع الجذوع بدل السواري وسقف المسجد، فقيل في بنائه، فقال: ( عريش كعريش أخي موسى )، أو قال: ( الأمر أعجل من ذلك )، فأخذوه على قيام الساعة، ولكن الظاهر -والله تعالى أعلم- أنه أعجل في الزمن؛ لأن حياته صلى الله عليه وسلم وبقاءه في الدنيا محدود، ومهمته أعظم وأوسع من أن يضيع وقته في بناء عريش أو غيره، ولكن في السنة السابعة من الهجرة لما رجع من تبوك بنى المسجد بالحجر والطين.
يهمنا أن الحديث يقول: ترى هذا الصنف من الناس تنقلب مقاييسهم؛ فبعد أن كانوا عالة حفاة رعاء، فإنهم يتطاولون في البنيان فيما بعد، والتطاول ليس مجرد بناء، بل هذا بنى بيتاً من طابق ويأتي آخر بجواره ويبنيه من طابقين، ويأتي الآخر ويبنيه من ثلاثة، والآخر يبينه من أربعة، وهكذا يكون التطاول هذا استطال وهذا يتفاعل، والتفاعل التقابل أي: يتسابق كل منهم إلى أن يكون بناؤه أطول بناء من الآخر، ولا نريد أن ندخل في تفاصيل في هذا الباب، من أن المباني أصبحت نوعاً من أنواع الاقتصاد أو أزمة السكن، أو شيء من هذا، إنما يهمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأمر يكون من علامات الساعة.
ويأتي بعض العلماء من جانب الزهد والورع ويعيبون البناء، ولكن هذا الأمر يدخل في حياة الناس وفي اقتصادياتهم ومعيشتهم وتدابيرهم للحياة، ولا نستطيع أن نوقف هذا التقدم أو التطور، ولكن نقول: لا ينبغي أن يكون تفاخراً وتطاولاً وإيذاء، إذا كان للحاجة فلا مانع، أما للفخر والتطاول على الناس فهذا لا يجوز، وقد وضع الفقهاء قواعد لتطاول البنيان كما ينص الحنابلة.
فمن حق الجار على جاره: أن لا تطيل بناءك عليه فتسد عنه إلا بإذنه، وأن من حق جارك إذا بنيت بيتك وكان جارك بجواره ولم يبن جداراً بجوارك وأراد أن يسقف بيته، فمن حقه أن يضع أطراف خشب السقف على جدارك إذا كان في جدارك قوة تتحمل السقفين معاً، ولذا يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره -مالي أراكم عنها معرضين، والله لألقين بها بين أكتافكم- ).

ما يستفاد من منصرف جبريل عليه السلام عن الرسول صلى الله عليه وسلم
ماذا فعل جبريل بعد ذلك؟ انصرف.
بعض العلماء كـ ابن حجر في فتح الباري يقول: بعض الروايات يذكر فيها قوله: ( صدقت )، كما قالها سابقاً.
والذي يهمنا قول عمر رضي الله تعالى عنه: (فلبثت ملياً)، أي: كان القوم لا يزالون جلوساً في هذا المجلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ردوا عليّ الرجل )، أي: هذا الرجل السائل، قال عمر : فطلبناه فلم نجده.
فقال صلى الله عليه وسلم: ( يا عمر ! أتدري من الرجل؟ قلت: الله ورسوله أعلم )، هذه العبارة يستعملها السلف رضوان الله تعالى عليهم حينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضراً، وفعلاً كل ما لم يعلمه الناس يرد علمه إلى الله وإلى رسول الله، والآن إذا سئلت عن شيء هل لك أن تقول: الله ورسوله أعلم، أو: الله أعلم، وتسكت.
نجد بعض الناس يقول: يجوز أن تقول: الله ورسوله أعلم، وبعضهم يقول: لا تقل الله ورسوله، قل: الله أعلم.
فقط؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهذا فيه إفراطٌ وهذا فيه تفريط.
والوسط في ذلك: إذا كان المسئول عنه من أمور الدين التي لم يخرج علمها عما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا مانع أن تقول: الله ورسوله أعلم، أما إذا كان أمراً دنيوياً وحادثاً اليوم فلا ينبغي أن تقول: ورسوله، بل تقول: الله أعلم، وهذا الذي ينبغي الوقوف عنده، وأحسن ما يقال في هذا المقام.
قال: ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم )، جِبريل، وجَبريل، وجبرائيل؛ كلها لغات في جبريل، وهو مضاف ومضاف إليه، وئيل بمعنى: لفظ الجلالة، ويضاف إليها ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، كلها من باب المضاف والمضاف إليه وهي غير عربية، وهي على حد وزن المضاف عبد الله، فكذلك هنا لفظة: (ئيل) بمعنى لفظ الجلالة.
في نهاية هذا الحديث يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاضرين أن هذا الرجل جبريل، وقد أشار عمر رضي الله تعالى عنه في أول الحديث حينما قال: ( بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد ).
هذا النظيف الظريف الذي هو شديد البياض في الثوب والشعر، وليس عليه أثر سفر، ولا يعرفه أهل المدينة: إما أنه من أهل المدينة فيعرفونه، وإما أنه قادم من خارجها فيكون عليه أثر السفر؛ وكل ذلك لم يكن.
إذاً: ليس من أهل المدينة، وليس قادماً من سفر، فلابد من وجود قسم ثالث، ما هو؟ إنه جبريل.
وقد أشرنا سابقاً بأن من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة، وأن أركان الإيمان الستة كلها غيب، تؤمن بالله، الملائكة، الكتب، الرسل، القدر، البعث، وكلها أمور غيبية ليست محسوسة عندنا، ولكن في هذا الحديث فردٌ من أفراد الغيب، وهم الملائكة، يأتي إلى المسجد ويراه المسلمون بجوار رسول الله، ويخبرهم الصادق المصدوق بأنه جبريل.
إذاً: ركنٌ من أركان الإيمان الستة لم يعد غيباً بل أصبح مشاهداً محسوساً، وأشرنا إلى طبيعة جبريل والملائكة، فجِبريل حينما طلبه رسول الله أن يريه صورته على خلقته العادية ظهر إليه في الأفق وقد سده، والأفق هو ما بين السماء والأرض في منتهى النظر.
وأشرنا إلى أن عالم الملائكة عالمٌ نوراني، أعطاه الله القدرة على التكيف في الصورة التي يشاء، وأشرنا سابقاً إلى رؤية ابن عباس جبريل يتحدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوه العباس معه لم يره، وكذلك قصة خديجة لما ذهبت تطلب رسول الله بطعامه ولقيها وسألها: أين محمد يا خديجة ؟ قالت: لا أدري، وذهب عنها، ثم جاء إليه بعد أن لقيته، وقال: السلام يقرئ خديجة السلام، أي: أنها لم تخبر بمكانه خوفاً عليه من المشركين.
إذاً: الملائكة قد يراهم الإنس، ثم ها هو صلى الله عليه وسلم يقول: ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم )، جبريل معلم أو متعلم؟ وسائل أو مجيب؟ جبريل سائل، والرسول جعله معلماً، إذاً: المعلم قد يُعلِّم بطرح السؤال، السائل العالم قد يعلم بسؤاله بقدر ما يعلم العالم بجوابه، ولذا قال العلماء: حسن السؤال نصف العلم، وقد وردت مناهج تعليمية من الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يسأل الناس ليعلمهم، يسألهم فيما يعلمون ليعلموا حكم ما لا يعلمون، وقد سأل مرة عن شجرة مثلها كمثل المؤمن ، فذهبوا في أشجار البادية، ثم أخبرهم أنها النخلة.
ولما سألته امرأة عن أم لها لا تستطيع الركوب، أينفعها أن تحج عنها؟ قال: ( لو كان على أمك دينٌ فقضيتيه أكان ينفعها؟ قالت: بلى، قال: فدين الله أحق )، فاستخلص منها الجواب فيما سألت عنه، وأحالها بما لا تعلم على ما تعلم، وهكذا القياس؛ فهو إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق في حكمه؛ لاشتراكهما في علة واحدة.
ويهمنا قوله صلى الله عليه وسلم: ( أتاكم يعلمكم أمر دينكم )، وقد علمهم الإسلام والإيمان والإحسان واليوم الآخر، فجعل صلى الله عليه وسلم الدين عنواناً للإسلام والإيمان والإحسان وما يتعلق بأخبار القيامة.
إذاً: كلمة الدين أعم مسمى، وجاءت الآية الكريمة: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ } [آل عمران:19] ، { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } [آل عمران:85].
إذاً: الإسلام بمسمى، والدين بمسمى يشمل جميع ما جاء به رسول الله، وهناك أمورٌ لم يذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في الإسلام ولا الإيمان وهي من الإسلام والإيمان، جاء قوله صلى الله عليه وسلم: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده )، ولم يذكر في حديث جبريل: أن تقيم الصلاة وتصوم رمضان ويسلم الناس من لسانك ويدك.
وجاء أيضاً: ( الدين النصيحة )، وجاء في الإيمان: ( والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين )، وما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا محبته من أركان الإيمان.
وقال: ( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله خاب وخسر؟ قال: من لم يأمن جاره بوائقه ) ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه فليكرم جاره فليقل خيراً أو ليصمت ).
الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ وأركان الإيمان ستة، فما هي تلك الشعب؟ قال: ( أعلاها: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق )، فلا إله إلا الله هي أول أركان الإسلام، ومع هذا جعلها من شعب الإيمان، وإماطة الأذى عن الطريق من الأعمال الذي يكتسبها العبد، فجعلها من شعب الإيمان.
وهكذا جمع الجميع أيضاً في الدين، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: ( الدين النصيحة )، إذاً: كل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء في كتاب الله عن الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر أو نهي، بأي موجب كان؛ فهو دين الإسلام.
والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.


 

 
Design by Free WordPress Themes | Zoom PlaceZoom Place - Premium Blogger Themes